سورة التوبة
الجزء ٨ · صفحة ٥٣الاستفهام للإنكار والتّشنيع في ذكر هؤلاء الضّالين لإقامة الحجّة عليهم ببيان خطورة ما هم عليه من محادّة الله ورسوله، وأن من شأن ذلك البعدَ عن الله والحرمان من رضاه، وجزاء ذلك عذاب جهنم والخلود فيها أبدا، لأن الحصول على رضى الله هو الفوز الأكبر كما قال تعالى: (وَرِضْوَانٌ مّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:72). ومقابله في عذاب جهنم هو الخزي العظيم، والخزي هو الذّلة والمهانة، وهي الجزاء الوفاق لمن اعتزّ بغير الله، لأن استرضاء الخلق بمعاداة الخالق ومحاذاة رسوله يؤدّي إلى تلك المنزلة الدّنيا من الذّلة والهوان بين النّاس، ومن العذاب والخزي في الجزاء الأخرويّ.
ولاضطراب أمر المنافقين وقلقهم بما هم عليه من الكذب والتّدليس على المؤمنين، فهم في حذر وخوف من أن يفتضح أمرهم بوحي من الله لرسوله: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِءُواْ إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ).
والحذر هو الاحتراز والتّحفّظ مما يخشى ويخاف منه، والذي يدفع المنافقين إلى هذا الحذر هو الشّك والقلق الذي يسبّب لهم ذلك الاضطراب النّفسيّ. وقد يقال: لم الحذر مما لا يصدّقون به من نزول القرآن على الرّسول؟.
وللمفسّرين تأويلات لهذه الآية. فقال أبو مسلم: "إنهم أظهروا الحذر استهزاء واستخفافا، لأنهم يكذّبون بالوحي فيما بينهم. فأخبر الله رسوله بذلك، وأمره أن يعلمهم أنه يكشف سرّهم ويدلّ على هذا التّأويل قوله بعد ذلك: (قُلِ اسْتَهْزِءُواْ): وهذا تأويل وجيه".