نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة التوبة

الجزء ٨ · صفحة ٥٢

للمنافقين جميعهم أحوال يشتركون فيها، فلا تكاد تخطئهم، وقد ينفرد البعض منهم بتصرفات دنيئة خاصّة، كما يحكي القرآن عنهم بقوله: (وَمِنْهُم) أي بضمير الغائب وهذه الآيات في هذا النّصّ الكريم جاءت بضمير الخطاب للمسلمين لنعلم الرّسول وأصحابه بأحوال المنافقين الذين تخلّفوا عن غزوة "تبوك" ولتفضح أمرهم عندما تستّروا بالأيمان الكاذبة معتذرين فقال تعالى: (يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُّرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُومِنِينَ).

الضّمير في: (يَحْلِفُونَ) يرجع إلى المذكورين في الآية السّابقة، فهم كغيرهم من المنافقين الآخرين يتذرعون بالأيمان الكاذبة للمؤمنين التماسا لرضاهم حتى لا يفتضح أمرهم، لأنهم يعلمون أن المسلمين تبلغهم تلك الأقوال المؤذية لرسول الله، مما يغيظهم ويثير حفيظتهم. فيخاف المنافقون من مغبة ذلك فيتبرّأون من ذلك بالأيمان الكاذبة، وقد ينالون بعض الرّضى من المسلمين تأثرا بما يسمعون، ولكن الله الذي لا تخفى عنه خافية أحق بالإرضاء من المؤمنين وذلك لا يتحقق إلا بالإيمان الصّادق والاعتقاد بعلم الله الشّامل الذي لا يغرب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السّماء.

فالتماس رضى الله بطاعته ومحبته، والتماس رضى رسوله بتصديقه وتعظيمه هو مقتضى الإيمان المذيّل به في قوله تعالى: (إِن كَانُواْ مُومِنِينَ)، فاستعمال شرط الإيمان يدلّ على أنهم إن بقوا على صنيعهم فهم كافرون، تترتب عليهم عقوبة جهنم والخزي الأيديّ إذ قال تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ’ مَنْ يُّحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ’ فَأَنَّ لَهُ’ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَالِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ).

٢٬٢٧٨ / ٦٬٧٦٧