سورة التوبة
الجزء ٨ · صفحة ٥٧جاءت هذه الأوصاف الشّائنة للمنافقين قصد التّفريق بينهم وبين المؤمنين، إذ يدّعون أنهم لمنهم كما تقدم في قوله تعالى: (وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ) (التوبة:56). كما أن ذكر أحوالهم بمزيد من التّفصيل هنا هو لبيان أن النّفاق حالة واحدة في الرّجال والنّساء، وفي الأولين والآخرين، وبالتّالي فهم سواء في استحقاق العذاب وإحباط الأعمال، فقال جلّ من قائل: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّنم بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُمُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
لا غرابة أن يكون في النّساء منافقات، والأحكام الشّرعية تنطبق على الرّجال والنّساء في الجزاء والعقاب متى اتصفوا بصفة واحدة في الأخلاق والممارسة، ففي أغلب الأحوال تتبع المرأة زوجها أو تتأثر بالمحيط الذي تتحرّك فيه وقد قال تعالى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) (النور:26). ثم إن لأصول التّربية والوراثة، وللانتماءات الإيديولوجية والعرقية أثرها في المجتمعات البشرية لتحديد التّوجّهات واختيار المذاهب والمشارب. ذلك ما تقرّره هذه الآية الكريمة، فالمتّصفون بالنّفاق هم ملّة واحدة سابقهم ولاحقهم، ذكرانهم ونسوانهم.
(بَعْضُهُم مِّنم بَعْضٍ): فهم متشابهون سلوكا وأخلاقا، حتى لكأنها الواحد منهم هو عين الآخر، ففي الجانب الخلقي تحدثت الآيات السّابقة عن جانب منه، وفي الجانب السّلوكيّ تذكر هذه الآيات ثلاثة أفعال:
أ) - (يَامُرُونَ بِالْمُنْكَرِ): وهو كل قبيح من الأفعال ينكره الشّرع والعقل مما يضرّ بالمصلحة ويقويّ الرّذيلة.