نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة التوبة

الجزء ٨ · صفحة ٦٩

يبيّن هذا التّعقيب على الأمر بجهاد الكفار والمنافقين يبيّن بعض المواقف الخسيسة لهؤلاء مما يدلّ على الكفر، سواء بأقوالهم أو أفعالهم، ثم هم يتنصّلون من ذلك بالأيمان الكاذبة.

أ) - فمن أقوالهم ما هو صريح في الكفر، فقوله تعالى: (وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ)، يقصد بها جنس كل كلام فيه الكلمات التي تفوّهوا بها، سيما من شيوخ المنافقين كعبد الله بن أبّي بن سلول. وقد قال ما حكاه الله عنه: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الاَعَزُّ مِنْهَا الاَذَلَّ) (المنافقون: 8). كما تنقل الرّوايات في شأن الجلاّس بن سويد بن الصّامت لأنه قال: "لئن كان ما يقول محمد حقا لنحن أشرّ من حميرنا هذه التي نحن عليها". وحين سألهما رسول الله عن مقالتهما حلفا بالله ما قالا ذلك، ولكن الله تعالى فضح هؤلاء فأسند الكفر إليهم، وأن إظهارهم للإسلام كان صوريا.

ب) - ومن أفعالهم الخبيثة مؤامرتهم للفتك بالرّسول في أثناء عودته من غزوة "تبوك" عندما همّ فريق منهم أن يدفعوا برسول الله وهو يسير في عقبة لطريق تحتها واد، وهم متلثمون، ولكن الأصحاب المحيطين براحلة الرّسول فطنوا بهم فصاحوا عليهم فهربوا.

وقد تعّددت الرّوايات في إيراد تلك القصة التي همّ فيها المنافقون بالنّيل من رسول الله ولكن الله فضح مؤامرتهم، فلم ينالوا ما يريدون.

ثم قال تبارك وتعالى: (وَمَا نَقَمُواْ إِلآَّ أَنَ اَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ’ مِن فَضْلِهِ)، وهذا التّعبير مما يسمّى في البلاغة بالمدح في معرض الذّم، ونقمت الشّيء بمعنى أنكرته إما باللّسان وإما بالعقوبة، وهل ينقم الإنسان من الغنى؟، وهل فيه عيب حتى ينكر؟، وقد جاءكم رسول الله بالغنى والرّفاه، وكان ذلك من فضل الله عليهم، وكان الأحرى بهم أن يشكروا تلك النّعمة فيزدادون حبّا لله ورسوله، ولكنهم كانوا على عكس ذلك لفساد طبعهم، وهم الذين يريدون زينة الحياة الدّنيا.

٢٬٢٩٥ / ٦٬٧٦٧