نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة التوبة

الجزء ٨ · صفحة ٧٨

كانت غزوة "تبوك" مبعث الحديث عن أحوال المنافقين في أقوالهم وأفعالهم. وانتهى الحديث عن ذلك عند الآية الثّمانين بذكر اعتذارهم عن الخروج، ثم ما كان من استغفار الرّسول لهم، وكان من طبيعة ما تحقق لهم من القعود عن الجهاد، ومن حصولهم على استغفار الرّسول لهم، أن يشتدّ فرحهم بذلك ظنّا منهم أنهم نجحوا في التّرييم والمخادعة، وأنهم استغفلوا الرّسول بذلك، وبالتّالي يسكت الوحي عن فضحهم فنزل هذا التّهديد الشّديد يهزّ كيانهم ويزلزل قلوبهم فقال عزّ من قائل في استئناف ابتدائي: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُواْ أَنْ يُّجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ).

والمخلّفون هم الذين تخلّفوا عن رسول الله في غزوة "تبوك" وفرحوا لأنهم ظنوا أنهم باستغفار الرّسول لهم قد انطلت حيلتهم عليه، وأنّ الله يعذرهم على قعودهم. واختير لفظ "خِلاَفَ" للظرفية دون لفظ "خلف" لما يدلّ عليه لفظ "خِلاَفَ" من المخالفة لإرادة رسول الله فهم لا يؤمنون بما في الخروج من الأجر العظيم ابتداء، ولا شك أن الرّسول قد أخبره بما في قلوبهم من الضّلال، وأن خروجهم يكون فيه للمسلمين تشويش وخبال، وهم مدفوعون في ذلك بكراهيتهم للجهاد.

وليت موقفهم هذا كان مقتصرا على أشخاصهم، ولكنهم أخذوا يأمرون بالمنكر إذ قالوا لمن كان على شاكلتهم في النّفاق: (وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ)، ولا يعدم المنافق تأويلا ولا تبريراً لمواقفه المخزية، فلو كان الخروج شتاء لاعتلّوا للقعود بشدّة القرّ، فأمر الله رسوله أن يدمغهم بهذا التّهديد المرعب: (قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ).

٢٬٣٠٤ / ٦٬٧٦٧