سورة التوبة
الجزء ٨ · صفحة ٧٩وفي هذا الإخبار تقريع لهم بأنهم -لا محالة- صائرون إلى ما هوّ أشدّ حرارة وعذابا بنار جهنّم، وهذا التّهديد مبنيّ على إيمانهم الظّاهري باليوم الآخر، وإلا فهم في الحقيقة لا يؤمنون. ولكن أساليب التّذكير بما فيه من التّرغيب والتّرهيب تطال كل أصناف النّاس، فيستفيد كلّ بما يناسبه.
والتّعقيب بقوله تعالى: (لَوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ) يدلّ على المعنى المتقدّم من أنهم لا يفقهون ذلك التّذكير، وعلى تقرير أنهم صائرون إلى نار جهنم، ولتنغيص فرحهم بالقعود جاء هذا التّفريع بقوله تعالى: (فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَآءَم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ).
فهو أمر بالضّحك القليل والبكاء الكثير، ولكنه إخبار من الله وإنذار لما يكون من أحوالهم سواء في الدّنيا أو في الآخرة، لأنّ لكلّ من الضّحك والبكاء أسباب تقوى أو تضعف في التّأثير على نفس الإنسان، فيعبّر عنهما الإنسان بكيفيات مختلفة. ويحتمل أن يحصل لهم ذلك في الدّنيا والآخرة، غير أن البكاء الكثير يحصل لهم قطعا في الآخرة، لأن أسبابه أشدّ وأنكى مع الدّوام والاستمرار عاقبته الخزي والنّدامة، حيث لا يملكون الاختيار لأسباب الفرح، كما كانوا عليه في الدّنيا، إذ ينقطع عمل ابن دم بالموت، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: (جَزَآءَم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ).
والآخرة هي دار الجزاء، أي جزاء البكاء الكثير عقابا للضحك القليل، وأن ذلك بما كسبت أيديهم من النّفاق. وفي معنى هذه الآية ما رواه الشّيخان من قوله صلى الله عليه وسلم: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا». وعن التّرمذيّ زيادة: «لخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله تعالى، لوددت أني كنت شجرة تعضد».(1)
(1) 1 - رواه البخاري من حديث عائشة، كتاب الكسوف، باب الصدقة في الكسوف، رقم 799؛ ورواه مسلم من حديث أنس، كتاب الفضائل، باب توقيره صلى الله عليه وسلم، رقم 2359.
وأما رواية الترمذي فرواها من حديث أبي ذر، كتاب الزهد، باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو تعلمون ما أعلم … »، رقم 2312، وقال: وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس وأنس. ثم قال: هذا حديث حسن غريب، ويروى من غير هذا الوجه أنّ أبا ذر قال: لوددت أني كنت شجرة تعضد.