سورة التوبة
الجزء ٨ · صفحة ٨٦على ذكره تعالى في الآية السّابقة أن المنافقين احتالوا في رخصة التّخلف عن رسول الله والقعود عن الغزو عطف عليه هنا ليبيّن فرق المتخلفين وأنواع معاذيرهم ومراتبها في القبول فقال جلّ من قائل: (وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ اَنَ ـامِنُواْ بِاللهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَاذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَعَ الْقَاعِدِينَ).
ذهب المفسّرون مذاهب في بيان معنى السّورة فقالوا: أي بعض السّورة دون التّمام مجازا. وقيل: كلّ سورة ذكر فيها الإيمان والجهاد، وقيل: المقصود هو هذه السّورة بالذّات "التّوبة". وبيّن الله تعالى مضمون ما تتنزل به السّورة بقوله: (اَنَ -امِنُواْ بِاللهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ)، فـ"أن" تفسيرية، أي أمره تعالى بالإيمان والجهاد، وهما متلازمان، إذ يفرّق المنافقون بينهما فكأنما قيل لهم: عليكم أن تؤمنوا أولا ثم تشتغلوا بالجهاد ثانيا حتى يتقبل ذلك منكم. ولكن جواب المنافقين في المجال التّطبيقي والعملي لذلك الأمر الإلهي هو أن يستأذنوا رسول الله -وهو أهل القدرة والمال- في التّخلّف عن الجهاد. وتخصيص هؤلاء بالذّكر للذّم والتّعيير، لأن القادر أحق بالذّم إن لم يخرج والعاجز لا يحتاج إلى الاستئذان.