سورة التوبة
الجزء ٨ · صفحة ٩٧وفي الإخبار برؤية الله لأعمالكم ترغيب في إصلاح أمرهم قبل فوات الأوان يوم يفقدون ذلك الاختيار بالموت، إذ يرجعون إلى الله عالم الغيب والشّهادة. وفي اختيار هذا الوصف للذات العلية، وإظهاره في مقام الإضمار تنبيه وتحذير للمنافقين بأن الله تعالى مطّلع على بواطنهم الخبيثة، ومجازيهم عليها بما يستحقون، وفي ذلك من التّنديد والوعيد ما عساهم به يزدجرون، ومن تمام الإيمان الصّادق أن يتحاشى المؤمن ما يعتذر منه من السّيّئات، فيضطرّ أحيانا إلى التّلفيق والكذب ليقبل النّاس عذره. كما أخبر الله عن هؤلاء المنافقين إذ قال: (سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمُ إِذَا اَنقَلَبْتُمُ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمُ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءَم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ).
وتتمّة لذكر أحوالهم وكيف يكون موقفهم عند رجوع المسلمين من غزوة "تبوك"، وبناء على نفي تصديقهم من طرف المؤمنين على ما يدّعون، أخبر الله بأنهم سيؤكدون تلك الأعذار بالأيمان الكاذبة حتى يتفادوا اللّوم والعتاب بإعراض المسلمين عنهم، والمحلوف عليه مفهوم من السّياق. وتفرّع عن هذا الإخبار أمر الله المؤمنين بالإعراض عنهم إعراض إهانة واحتقار لا إعراض صفح وإعذار، أي لأن ما طمعوا فيه من إمساك المسلمين عن مؤاخذتهم وعتابهم قد انقلب إلى ضدّ ذلك بما يواجهونه من الإعراض عن المعاملة والمخالطة، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال حين قدم المدينة: «لا تجالسوهم ولا تكلّموهم».(1)
(1) 1 -