سورة التوبة
الجزء ٨ · صفحة ١١٣ما يزال السّياق يعدّد لأصناف المجتمع المدنيّ باعتبار مواقف النّاس من غزوة تبوك مشاركة في الجهاد أو تخلّفا وقعودا، وبذلا للأموال في سبيل الله أو شحّا بها، فعلى ذكر المعترفين بذنوبهم التّائبين منها، ومع التّوبة يجب استدراك ما فات من التّقصير بعدم الإنفاق في الجهاد، فناسب أن يجيء الإرشاد الإلهي لرسوله بأن يأخذ من أموال أولئك المقصّرين، فينتفع المسلمون بتلك الأموال. وتذكر الرّوايات أن هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم جاؤوا إلى رسول الله وقالوا: هذه أموالنا تخلّفنا بسببها عنك، خذها فتصدّق بها وطهّرنا واستغفر لنا. فقال لهم: «لم أؤمر بأن آخذ من أموالكم».(1) حتى نزلت هذه الآية، فأخذ النّبي صدقاتهم.
قال تعالى مخاطبا رسوله: (خُذْ مِنَ اَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمُ إِنَّ صَلَوَاتِكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
الخطاب للرسول، و"مِن" للتبعيض، والضّمير في: (اَمْوَالِهِمْ) عائد للذين اعترفوا بذنوبهم. وكلمة "أموال" عامّة تشمل الزّكاة الواجبة وتشمل صدقات التّطوّع، والمتبادر من السّياق أنها صدقة التّطوّع، قيل: إن رسول الله أخذ منها الثّلث. ويرى جمهور من الفقهاء أنّ الكلام هنا مستأنف وأنه في إيجاب زكاة الفرض. والرّاجح عند كثير من المفسّرين -ومنهم القطب في التّيسير- أنها متصلة بتوبة المعترفين بذنوبهم بدليل قوله عليه السلام لهم: «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا»، ولو كانت زكاة لأخذ قدرها وجوبا.
ورتّب الله على الصّدقة بالأموال نتيجتين:
أ) - أن الصّدقة تطهّر النّفوس من دنس الذّنوب، سيما ما يترتب عن شهوة المال من بخل وشحّ، وما يترتب عن كسبه وجمعه -غالبا- من أنواع التّجاوزات. ولذا يرى كثير من العلماء أن من أذنب بسبب مال أن يتصدّق به، والتّطهير تخلية من الأوساخ.
(1) 1 - أنظر: الطبري، جامع البيان، 11/ 16.