نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة التوبة

الجزء ٨ · صفحة ١٢٠

بعد أن ذكر الله أصناف المنافقين أعقب عليهم فريقا آخر غضب الله عليهم من أعمال قصدوا بها معاكسة المسلمين، قال ابن عبّاس: كانوا اثني عشر رجلا من المنافقين بنوا مسجدا ليضارّوا به مسجد "قباء" فقال تعالى: (الذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُومِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ’ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنَ اَرَدْنَآ إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).

قد يكون العمل في ظاهره مبرّة حسنة، كبناء المساجد والمآوى والمستشفيات، ولكن الدّوافع التي تكون من وراء ذلك تختلف عند الله الذي يعلم السّرّ وأخفى، وقد تنطلي على النّاس فلا ينتبهون إلى ما تسّببه من أضرار إلا بعد حين، فنبّه الله رسوله إلى ذلك لتفادي تلك الأضرار التي ذكر منها أربعة أشياء:

أ) - (ضِرَاراً): أي محاولة الضّرّ للإسلام ولأهل مسجد "قباء" بصفة خاصّة، وهو أول مسجد بناه الرّسول بمجرّد وصوله إلى المدينة.

ب) - (وَكُفْراً): بالنّبي وبما جاء به، طعنا وكيدا وتآمرا.

ج) - (وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُومِنِينَ): وذلك بأحداث الفتنة في صفوف المسلمين، عندما يصلّي بعضهم في هذا المسجد فيتركون الصّلاة خلف رسول الله، فيؤذّي ذلك إلى البلبلة والفرقة.

د) - (وَإِرْصَادَاً لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ’ مِن قَبْلُ): والإرصاد هو التّرقب والتّهيئة لمجيء من حارب الله ورسوله من قبل، والمقصود به هو أبو عامر الرّاهب، إذ حارب الرّسول مع الأحزاب ومع ثقيف وهوازن، فلمّا هزموا فرّ إلى الشّام يستنجد بقيصر الرّوم، ليخرج محمدا وأصحابه من المدينة، وأرسل إلى المنافقين ليبنوا له ذلك المسجد ويستعدّوا للحرب معه. كان يجاهر بالعداء لرسول الله ويقول له: لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم. فدعا عليه الرّسول أن يموت بعيدا طريدا فنالته هذه الدّعوة.

٢٬٣٤٦ / ٦٬٧٦٧