نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة التوبة

الجزء ٨ · صفحة ١٤١

والتّعبير بـ"التّوبة" عوضا عن الرّضى، لا يعني أن هناك ذنوبا اقترفها النّبي والمؤمنون فتاب الله عليهم. يقول الإمام "ابن عاشور" في توضيح هذا المعنى اللّطيف: "غفر له، أي لم يؤاخذه بالذّنوب سواء كان مذنبا أم لم يكنه، كقوله تعالى: (عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ) (المزمل:20). أي فغفر لكم وتجاوز عن تقصيركم، وليس هناك ذنب ولا توبة. فمعنى التّوبة على النّبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه، أن الله لا يؤاخذهم بما قد يحسبون أنه يسبّب مؤاخذة. كقول النّبي صلى الله عليه وسلم: «لعلّ الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».(1)(2).

قلت: والقطب -رحمه الله- قرّر هذا المعنى اللّطيف في تفسيره حيث قال في تفسير الآية ما نصّه: "أدام توبته عليهم في غزوة العسرة، إذ لا ذنب لهم فيها، أو قبلها منهم، أو وفّقهم إليها في مطلق أحوالهم لا في خصوص هذه الغزوة".(3)

وتقديم ذكر النّبي مع ذكر أصحابه من بعده إنما لتكريمهم وتعظيم شأن تلك التّوبة، وقد علم المسلمون أن الله غفر للرسول ما تقدم من ذنبه وما تأخّر. وبهذا التّوجيه اللّطيف في تفسير معنى التّوبة هنا يرتفع ما أورده بعض المفسّرين من الإشكالات، بأن هؤلاء قد صدر عنهم أنواع من المعاصي، إلا أنه تعالى تاب عليهم وعفا عنهم لأجل ما تحمّلوه من مشاق هذه الغزوة، ثم إن ذكرهم بوصفي الهجرة والنّصرة بعد ذكر الرّسول هو للإشادة بعلوّ شأنهم عند الله والنّاس.

(1) 1 - رواه البخاري من حديث علي، كتاب التفسير، باب: (لا تتّخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء)، رقم 4608؛ من حديث رواه مسلم من حديثه أيضا، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر، رقم 2494.

(2) 2 - محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 2/ 49.

(3) 3 - امحمد بن يوسف اطفيش، تيسير التفسير، 1/ 159.

٢٬٣٦٧ / ٦٬٧٦٧