نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة التوبة

الجزء ٨ · صفحة ١٤٤

ج) - (وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلآَّ إِلَيْهِ): والظّن هنا بمعنى اليقين والجزم، مما يندرج في حسن الظّن بالله تعالى، وأن العفو من الذّنب موكول إليه، ولذلك لا ملجأ لهم من ذلك الغمّ الشّديد إلا إلى الله تعالى، فهم يتضرّعون إليه وحده لينزل توبته عليهم، سيما والرّسول والمؤمنون ما عادوا يكلمونهم.

كرّر الله أمر توبتهم للتأكيد إذ قال تعالى: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ): ثم للمهلة والتّراضي الزّمني، أنزل الله قبول توبتهم ليصحبوا من جملة المرضي عليهم ليدوموا على التّوبة، ويتنزهوا عن الذّنوب. والله تعالى يحبّ التّوابين ويحبّ المتطهّرين وهو الذي يقبل التّوبة عن عباده. وهو المتفضّل على خلقه بذلك، إذ هو توّاب رحيم.

وحتى تكون في هذه القصّة عبرة لأولى الألباب، ليختاروا الصّدق والوفاء، وقد بيّنت السّورة الكريمة أصناف النّاس في تعاملهم مع الوفاء والخيانة ومع الصّدق والكذب، جاء الأمر الإلهي بالنّداء المحبوب لدى المؤمنين: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ).

أورد التّفسير النّقلي رواية مطوّلة عما واجه به كعب بن مالك رسول الله بعد عودته من "تبوك" إذ جاء إليه المخلّفون يعتذرون ويحلفون، والرّسول يعاملهم على ظواهرهم، فلما جلس كعب بن مالك بين يدي الرّسول واستفسره عن سبب تخلّفه، صدقه القول ولم يلفّق الأعذار، بل قال للرسول: لا عذر لي، تخلّفت وأنا موسر قادر، فقال الرّسول: «أمّا هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك».(1)

(1) 1 - رواه البخاري من حديث عبد الله بن كعب عن أبيه، كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك، رقم 4156.

٢٬٣٧٠ / ٦٬٧٦٧