سورة التوبة
الجزء ٨ · صفحة ١٦٠الجملة مستأنفة ومصدرة بـ"اللاّم" المشعرة بالقسم، و"قد" لزيادة تأكيد مضمونها، والخطاب موجّه إلى أمّة الدّعوة كلّها، وبالأولى أولئك المشركين والمنافقين من العرب، لأنهم هم أول من وجّه إليهم الرّسول دعوته ابتداء من الأقربين إليه كما أمره الله في أول الدّعوة:
أ) - (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبِينَ) (الشعراء:214).
ب) - (لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) (الشورى:7).
ج) - (هُوَ الذِي بَعَثَ فِي الاُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ) (الجمعة:2).
ويمتنّ الله في هذه الآية على المؤمنين بمجيء الرّسول إليهم وهو من ذوي نسبهم جنسا ولغة، وبذلك يكونون أحرى باتّباعه ومناصرته، والعرب مشهورون بنخوتهم القبلية، يتعاظمون بآبائهم فخرا وسؤددا، ومن شأن هذا الامتنان أن يستفزّ فيهم تلك النّخوة، وقد أكّد الله ذلك بوصفه الرّسول بصفات هي في قمة الأخلاق:
أ) - (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ): والعزّة هي الغلبة، والشّدة والعنت هو الوقوع في مشقة وشدّة لا يمكن الخروج منها، أي يشقّ على هذا الرّسول ما تلاقونه من المكاره، والتّعبير بالماضي: (عَنِتُّمْ) للدّلالة على ما تعرّضوا له من القتل والسّبي والأسر، ومن التّهديد القرآني بعقاب الله، إذ المقصود من كلّ ذلك هو إنقاذهم من خزي الدّنيا وعذاب الآخرة لعلّهم يهتدون إلى الحق.
ب) - (حَرِيصٌ عَلَيْكُم): والحرص هو شدّة الرّغبة في الحصول على المفقود، وكانت التّعدية إلى ضمير المخاطبين بـ"عَلَيْكُم"، ويتمثل حرصه عليه السلام في الاهتداء إلى الإيمان بالنّسبة للكافرين، وفي الحفاظ عليه بالنّسبة للمؤمنين.