سورة التوبة
الجزء ٨ · صفحة ١٦١ج) - (بِالْمُومِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ): وهما صفتان من صفات الذّات العلية، وصيغة المبالغة فيهما لإفادة، والشّدة والقوة في الصّفتين، وتقديم المتعلّق على عامليه. لإفادة الحصر في توجّه الصّفتين للمؤمنين بصفة خاصّة، فهو وإن ثبتت رحمته عليه السلام لجميع العالمين بشهادة الله في قوله: (وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107). فإن رحمته بغير المؤمنين أقلّ، لأنهم رفضوا تلك الرّحمة تعنّتا واستكبارا، ولأن هذه الرّأفة والرّحمة الخاصة بالمؤمنين هي في مقابلة الشّدّة والغلظة على الكافرين المأمور بهما في هذه السّورة.
ومن مقتضيات هذه الصّفات الكريمة في شخص رسول الله أن تدفع النّاس إلى الإيمان به وإتباع نهجه السّويّ، ولكن الواقع البشري أنه كان فيهم معرضون وجاحدون ففي ذلك الموقف من هؤلاء أمر الله رسوله بصيغة الخطاب المباشر تعظيما لشأنه بقوله: (فَإِن تَوَلَّواْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ).
كان الرّسول لشّدّة حرصه على تبليغ رسالة ربّه، ورجائه أن يقبل النّاس عليها بالتّصديق والإيمان، ومع رأفة ورحمته كان يحزنه إعراضهم وتولّيهم عنه لما سيلاقونه من خزي الدّنيا وعذاب الآخرة حتى كان الله تعالى يسلّيه ويبّين له طبائع الخلق بقوله: (وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُومِنِينَ) (يوسف:103). ففي هذه الحالة أمر الله رسوله بالتّوجّه إليه والتماس كفايته ورعايته منه وحده، وتفويض الأمر إليه في تدبير شؤون الخلق -وهو أعلم بهم-، وقد تفرّد بالألوهية والرّبوبية وتميّز بعظيم قدرته، لأنه يدبّر أمر العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات كلها ومركز تدبير شؤونها وفق ما ثبت في علمه الأزلّي ومشيئته المطلقة.