سورة يونس
الجزء ٨ · صفحة ١٨٦وهذا بيان لطبيعة الإنسان في موقفه إزاء ما يصيبه من ضرّ، إذ يتضجّر وتضيق به الدّنيا، فلا يجد له مخرجا إلا في اللّجوء إلى ربّه يدعوه في كلّ حالة مع تقلباته اليومية، وهو يتحرك لشؤون دنياه، أو هو يسكن عندما تخور قواه، حتى إذا كشف الله عنه ذلك الضّرّ، مرّ على حاله الأولى من الغفلة والتّمرد وانطلق على طبيعة تلك، كأن لم يصب بضرّ، ولم يلتجئ إلى الله بدعاء.
وفي بيان هذه الحقيقة الإنسانية المتقلبة تبكيت لأولئك النّاكرين للبعث المتحدّين لرسول باستعجال العذاب، إذ يكشف عن التّناقض في طبيعة هذا الإنسان الذي يستعجل الشّرّ، فإذا أصابه ضاق ذرعا به والتّمس المخرج منه بدعائه إلى الله، ثم عودته إلى ما كان عليه. ولذلك ناسب مثل هذا التّذييل بقوله تعالى: (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).
واختيرت صفة الإسراف مع الإظهار ليعمّ الحكم، وللتواؤم بين صفتي الطّغيان والإسراف في كلّ من الموقفين، وأسند فعل التّزيين إلى المجهول لأنه معلوم لدى المسلمين، وهو الشّيطان الرّجيم.
وزيادة في الاتعاظ والاعتبار بيّن الله عاقبة المسرفين من الأمم الخوالي فقال تعالى: (وَلَقَدَ اَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُومِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ).
جيء بلفظي "النّاس" و"الإنسان" لبيان الحقيقة الإنسانية والطّبع البشريّ، وبيان حكمة الله وشأنه مع خلقه، تذكرة لمشركي مكة ولغيرهم ممن يتدبّر القرآن، وانتقل السّياق هنا إلى صيغة الخطاب، إيماء إلى التّشابه والتّماثل في صفة الكفر والعناد بين المخاطبين والذين سبقوهم من القرون الخوالي، وكيف أهلكهم الله بعذاب الاستئصال حين لجوّا في طغيانهم.