نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة يونس

الجزء ٨ · صفحة ٢٠٠

وقد تقدم نظير هذا المعنى في ما تقدم من السّورة ولكن بالمثل الانفرادي المتمثل في الإنسان المنحرف عن الفطرة، بينما جاء المثل في هذه الآية جماعيا مع تغيير في الطّرح، فهناك تمثيل لنداء الفطرة في الإنسان عند نزول الشّدة بالتجائه إلى الله، ثم انقلابه إلى عادة سهوه وغفلته عند انفراج الأزمة، وهنا تمثيل لظاهرة البطر والكفران بسبب النّعمة والرّفاه ونسيان حالات الضّرّ والبؤس.

وقد تكرر في القرآن هذا المعنى بالمثل تارة، وبالحكاية عن واقع شخص أو أشخاص كقوله تعالى:

أ) - (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ، هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ، مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ اَثِيمٍ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ، اَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ) (القلم:10 - 14). ب) - (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً) (المزمل:11).

وبالنّسبة لأحوال المشركين من قريش قد روي أنهم شكوا القحط والبؤس سبع سنين بدعاء رسول الله عليهم، ثم كشف الله الضّرّ بإنزال الأمطار وفاضت عليهم النّعم، ولكنهم عادوا إلى تمرّدهم في الطّعن في آيات الله ومعاداة رسوله، ثم إنهم نسبوا تلك الرّحمة إلى آلهتهم وإلى الأنواء على عادة الجاهلية، فردّ الله عليهم بقوله: (قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً اِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ).

وقد دلّت: "إِذَا" الفجائية في جواب الشّرط على سرعتهم إلى الكفر والمكر، فجاء الرّدّ الإلهي بفعل التّفضيل: (أَسْرَعُ)، للمقابلة والمشاكلة لفعلهم على وجه الاستعارة إذ يستدرجهم من حيث لا يعلمون، فإنه تعالى عليم بما يفعلون، تحصى أعمالهم الكتبة من الملائكة الحفظة، لتعرض عليم يوم الجزاء.

٢٬٤٢٦ / ٦٬٧٦٧