نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة يونس

الجزء ٨ · صفحة ١٩٩

(مَا تَمْكُرُونَ): قرأه الجمهور بـ"تاء الخطاب"، وقرأه روح عن يعقوب: (مَا يَمْكُرُونَ): بـ"ياء الغائب"، والضّمير يرجع إلى: (النَّاس)، وعلى هذه القراءة يكون الكلام موجّها لرسول الله. (هُوَ الذِي يُسَيِّرُكُمْ): بتحتية في أوله مضمومة فسين مهملة فتحتية فراء، أي من السّير يجعلكم تسيرون. وقرأه ابن عامر وأبو جعفر: (ينشركم) من النّشر. وهو التّفريق على نحو قوله تعالى: (إِذَآ أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ) (الروم:20). (مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا): هو مرفوع في قراءة الجمهور على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي هو متاع الحياة الدّنيا. وقرأه حفص عن عاصم بالنّصب على الحال من "بغيكم"، كما يجوز أن يكون انتصابه على الظّرفية للبغي.

د) - البيان والتّفسير:

بعد أن ردّ الله شبه الكافرين المقترحين لإنزال آية كونية تدلّ على صدق الرّسول، وبعد أن حكى تمرّدهم وتحديهم بيّن هنا في هذه الآية الطّبيعة البشرية في مقابلة النّعمة بالكفران والجحود وأن هؤلاء الكفار قد أبطرتهم النّعمة والخيرات الكثيرة التي يتبحبحون فيها، وضرب لذلك مثلا يدلّ على أنهم كاذبون في طلبهم لنزول آية من عند الله، لأنه لو تتحقق مرادهم فإنهم يتمادون على العناد والمكر فقال جلّ من قائل: (وَإِذَآ أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّنم بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمُ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي ءَايَاتِنَا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً اِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ).

فهذه الظّاهرة البشرية من العناد والكفر والطّغيان عند الرّخاء والرّفاه إذا ما خلت القلوب من الإيمان، فهي وإن كانت حكاية عن سالف كفار قريش في وقت التّنزيل فإنها ظاهرة عامّة تطال جميع النّاس، إذا تجرّدوا عن الإيمان فإنهم ينسون ويطغون عندما ينعمون بما يحيّون، ولا يتوقعون تغير حالة النّعمة إلى ضدّها، فيمعنون في التّكذيب والاستهزاء والكر بمن ينصحهم وينذرهم من سوء العواقب.

٢٬٤٢٥ / ٦٬٧٦٧