نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة يونس

الجزء ٨ · صفحة ٢٠٦

وفي تفسير أجزائه نقول: ضرب الله هذا المثل لبهرجة الحياة الدّنيا في سرعة زوالها وأحوال مآلها، فشبّهها بصورة هي ظاهرة طبيعية نشاهدها، بل نعيشها في حيّزنا المكاني من رقعة الأرض، فنراها كيف تهتزّ وتربو بأنواع النّبات والأزهار عندما ينزل عليها المطر فيكسوها حللا زاهية مختلفة الأشكال والألوان، حتى لكأنها عروس تزيّنت بحللها وحليّها ليوم زفافها.

وفي التّعبير بضمير العظمة: (اَنزَلْنَاهُ) إيماء إلى قدرة الله في بديع صنعه، وأنه قادر على إحياء الموتى كما فعل بتلك الأرض. أي على معنى قوله تعالى: (اِنَّ الذِي أَحْيَاهَا لَمُحِْي الْمَوْتَى إِنَّهُ’ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (فصلت:39).

وقوله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ اَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَآءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الاَرْضِ مِمَّا يَاكُلُ النَّاسُ وَالاَنْعَامُ)، فيه زيادة تفصيل لبيان تنوّع المعاش لجميع الأحياء يأكل كل منها ما يناسبه من أنواع ذلك النّبات كما قال تعالى في سورة عبس بعد ذكر تلك الأنواع: (مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) (32).

وللإمام ابن عاشور ملحظ جيّد في فائدة ذلك التّفصيل. إذ يقول: "ولما كان ذلك قد تضمّن المأكول والآكل صحّ أن تشبه به رغبات النّاس في تناول لذائد الحياة على حسب اختلاف مراتب الهمم، وذلك يتضمن تشبيه معالي الأمور من نعم الدّنيا التي تسمو إليها الهمم العوالي بالنّبات الذي يقتاته النّاس، وتشبيه سفاسف الأمور بالنّبات الذي يأكله الأنعام، ويتضمّن تشبيه الذين يجنحون إلى تلك السّفاسف بالأنعام كقوله تعالى: (وَالذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَاكُلُونَ كَمَا تَاكُلُ الاَنْعَامُ) (محمد:12).".(1)

(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتنوير، 11/ 143.

٢٬٤٣٢ / ٦٬٧٦٧