نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة يونس

الجزء ٨ · صفحة ٢٠٧

ولاستيفاء غاية الجمال والزّينة للأرض بحيث بلغت بذلك كمال الإغراء والآفتان لأهلها جاء قوله تعالى: (حَتَّى إِذَآ أَخَذَتِ الاَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ)، ولم يغفل النّصّ مع عنصر التّشويق هذا تصوير التّفاعل العاطفي للإنسان أزاء مغريات الجمال والزّينة فقال تعالى: (وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ)، وفي مثل تلك الحالة من اندفاع العواطف قد يخطئ الإنسان الحقيقة، إذ تحتدم في نفسه الظنون والأوهام وتحجب عنه الرّؤية العقلية، فيظن ما ليس بواقع، يظن أنه متمكن من التّمتع بتلك اللّذائذ والخيرات، إذ يراها طوع يديه، ولكن الله العليّ الحكيم يحطّم تلك الرّغبات بما يقضيه من الأقدار التي تفاجئ الخلق في كل لحظة فلا يملكون معها حولا ولا قوة. فإذا بتلك الأرض تقفر وتجدب كأن لم يحصل فيها نبات من قبل، تلك هي حقيقة الدّنيا، كما يجب أن تنطبع صورتها في قلب المؤمن، حتى لا يركبه الغرور بها وبمتاعها.

ويجيء التّذييل المناسب لذلك التّفصيل وبيان آيات الله بمثل ذلك التّشبيه البديع وتمثيل حقيقة الدّنيا وغرور النّاس بها وسرعة زوالها، وكم لله من آيات بيّنات توضّح تلك الحقائق بما فيه صلاح النّاس في معتقدهم وسلوكهم وفي معاشهم ومعادهم، ينتفع بها من يستعملون عقولهم في التّفكير والنّظر في ما خلق الله، ليقتنعوا بما هم به مؤمنون، إذ أن الدّين في مبادئه وقيمه وأحكامه يسنده العلم كلما تجلّت حقائقه بعد النّظر والتّمحيص، فليت مسلمي اليوم يعتبرون بمثل هذه الآيات ويتجاوبون مع إرشاداتها للخروج من التّخلّف، حين يصبح القرآن في ألسنتهم وفي صدورهم حيّا نابضا يشعّ نورا في جوانحهم ويفيض هدى ورشدا في سلوكهم.

نظير هذا المثل في القرآن قوله تعالى:

٢٬٤٣٣ / ٦٬٧٦٧