سورة يونس
الجزء ٨ · صفحة ٢٢٤الإشارة إلى اسم الجلالة بأنه هو الجدير بحقية الرّبوبية والألوهية لثبات ما أقررتم به لذاته العلية من الأوصاف المتقدّمة، فماذا بعد الحق إلا الضّلال؟ هكذا بمثل هذا الاستفهام الإنكاري الذي يفيد نفي أيّة واسطة بين الحق والباطل، يقرّر الله تعالى وحده الحقّ وثبات معاييره بحيث يكون من تجاوزها قد وقع في الباطل حتما. فيكون الله تعالى هو الرّبّ الحقّ الجدير بالعبادة، وما سواه من الآلهة باطل وضلال. ولذلك ذيّل بالاستفهام التّوبيخي: (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)، أي كيف تتحوّلون عن الحق إلى الباطل وعن الهدى إلى الضّلال؟
ثم قال تعالى: (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ عَلَى الذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُومِنُونَ):
أي بمثل ذلك التّقدير الإلهي لموازين الحق والضّلال، واختيار المشركين لحالة الضّلال، فقد شاهدت -أيها الرّسول- كيف كان قدر الله وكلمته في الأزل بأن الذين ينحرفون عن الفطرة السّلمية وتتحجّر عقولهم بالتّقليد لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية. والتّيئيس من إيمان هؤلاء ليس معناه أن الله تعالى يمنعهم من الإيمان قهرا، بل لأنهم قد انحرفوا باختيارهم عن طريق الإيمان وأعرضوا عن دلائله الموصلة إليه.
ثم يعود السّياق لمتابعة الاحتجاج على المشركين بنفي القدرة عن ءالهتهم الباطلة فقال تعالى: (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّنْ يَّبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ’ قُلِ اللهُ يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ’ فَأَنَّى تُوفَكُونَ، قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّنْ يَّهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَّهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُّتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلآَّ أَنْ يُّهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ).