سورة يونس
الجزء ٨ · صفحة ٢٣٧أي إن صيرورتهم إلى تلك الحالة المخزية كانت بظلم من أنفسهم، إذ عطّلوا ما وهبهم الله من نعمة السّمع والبصر والعقل، فلم يهتدوا إلى الحق والرّشد، فإنّ عقاب الله الذي يلحقهم هو جزاء وفاق على ما اختاروه لأنفسهم من الكفر والشّرك، ويشمل هذا التّهديد عموم المشركين في كل زمان ومكان بما يلحقهم من ذلة ومهانة في الدّنيا، وأتبعه الله بما يكون لهم من الجزاء في ا لآخرة فقال: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ اللهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ).
أي أنذرهم -أيها الرّسول- أو أذكر لهم يوم نحشرهم لموقف الحساب والجزاء. وقد تقدم نظير هذا التّذكير في قوله تعالى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمُ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ) (يونس:28).
وبعد التّفصيل والتّفريع لمقتضيات ذلك الحشر وأن القرآن قد أنذرهم مما يلحقهم فيه من الذّلة والهوان يعود السّياق إلى الإنذار من الحشر مرة أخرى بعد بيان أقسام المكذبين للتذكير بأنه ءات لا ريب فيه، ولبيان حالتهم النّفسية عند البعث من قبورهم مفجوعين من هول الموقف جاء التّشبيه بقوله تعالى: (كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ)، وهذا اللبث يحتمل أن يراد به لبثهم في الحياة الدّنيا، وأنها قصيرة الأمد، وذلك بالنّسبة إلى ما وجدوه حقا من الحياة الأبدية التي كانوا يكذّبون بها، وهو الوجه الأظهر، ويدلّ عليه قوله تعالى: (يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ)، ويحتمل أن يراد باللّبث الفترة التي يقضونها في قبورهم.