نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة يونس

الجزء ٨ · صفحة ٢٤٣

وقد ورد مثل ذلك الاستعجال للعذاب من طرف المشركين في كثير من آيات القرآن بأساليب مختلفة، وجاء الرّدّ الإلهي عليها كذلك، كما ورد نظير هذا الرّدّ في سورة الأعراف في قوله تعالى: (قُل لآَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً اِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ اِنَ اَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُومِنُونَ) (الأعراف:188). إلا أن بين الآيتين خلافا في تقديم الضّرّ على النّفع هنا وتقديم النّفع على الضّرّ هناك لاختلاف المقام، وذلك لأنّ المقام هنا جواب على الكفّار لاستعجالهم نزول العذاب الذي أنذروا به، بينما في الأعراف فإن المقصود هو ذكر حقيقة أن الرّسول لا يملك لنفسه نفعا لنفسه ولا ضرّا لأن ذلك من خصائص الألوهية والرّبوبية. ويقول المفسّرون إن الاستثناء في كلّ من الآيتين منقطع: (اِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ)، فهو بمعنى "لكن" أي: لكن ما يشاء الله من ذلك النّفع والضّرّ يكون بقطع النّظر عن الأسباب التي يملك فيها الإنسان التّصرّف، وهو تعالى يجيب عن ذلك الاستعجال بقوله: (لِكُلِّ أُمَّةٍ اَجَلٌ) ليبيّن أن تأجيل العذاب ليس عن عجز ولا غفلة، بل هو لما اقتضته حكمة الله في تحديد الآجال لكل أمة يحلّ موعدها في التّأديب والانتقام، وبما أن الأجل جاء هنا موصوفا بجملة الشّرط ومرتبطا بها حذفت "الفاء" بينهما وهو أبلغ في نفي تأخير الوعيد، فإذا كان الرّسول قد انتقت عنه صفة الضّرّ والنّفع لنفسه بله غيره، فما بال غيره من الصّديقين والأولياء والصّلحاء؟، فهل يرعوي ضعاف الإيمان عن التّمسّح بأضرحتهم وعن التّوسّل إليهم؟.

٢٬٤٦٩ / ٦٬٧٦٧