نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة يونس

الجزء ٨ · صفحة ٢٩١

افتتح موسى دعاءه بنداء ربّه، وذلك أدنى لاستنزال اللّطف والرّعاية، وبصيغة الجماعة لأنها أرجى للقبول والاستجابة، فقدّم على عبارات دعائه قوله: (رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ). وعند المحققين أن هذه "اللام" هي لبيان العاقبة والصّيرورة، بمعنى أن إعطاء تلك الأموال تكون في ما هو غالب على طبع الإنسان، تكون سبا للطغيان والضّلال، فموسى بتقديم ذلك الإخبار على دعائه لا يقصد الانتقام لنفسه وقومه، بل يقصد الانتصار لدينه ودعوته. وهو في هذا الموقف العادل كسلفه نوح عليه السلام عندما يئس من إيمان قومه فدعا عليهم بقوله: (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الاَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً، اِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً) (نوح:26 - 27). وقيل: إن اللاّم للتعليل على اعتبار أن الله آتاهم تلك الأموال استدراجا لهم.

وأعاد موسى نداء ربه لتأكيد التّذلّل ورجاء الاستجابة: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ)، وطلب الطّمس على الأموال هو بمعنى إزالتها ومحوها بمختلف الأسباب والآفات، وفي ذلك نوع من التّربية من الحق تعالى لخلقه، كما قال في سورة الرّوم: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (41). والشّدّ على القلوب بمعنى إخراجها والتّضييق عليها لأن القلوب مستودع للعواطف الإنسانية، فإذا وقعت في حرج وضيق انتابتها الهموم والأحزان فلا تستطيب تلك الزّينة ولا تتمتع بتلك الأموال، وقد يكون ذلك سببا لمراجعة موقفهم من الدّعوة بالكفر والضّلال.

٢٬٥١٧ / ٦٬٧٦٧