سورة يونس
الجزء ٨ · صفحة ٢٩٥وعند تأمّلي لعبارة الشّهادة التي نطق بها فرعون، استرعت انتباهي تلك الصّلة التي ذكرت إيمان بني إسرائيل ولم يقل مثلا: "آمنت أنه لا إله إلا الله". فوجدت تفسيرين للإمام الرّازي والإمام ابن عاشور -رحمهما الله-:
أ) - يقول الإمام الرّازي: "إن ذلك الإقرار كان مبنيا على محض التّقليد، ألا ترى أنه قال: (لآَ إِلَهَ إِلاَّ الذِي ءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَآءَيلَ)، فكأنه اعترف أنه لا بأنه لا يعرف الله، إلاّ أنّه من بني إسرائيل أن للعالم إلها، فهو أقرّ بذلك الإله الذي سمع من بني إسرائيل أنهم أقرّوا بوجوده فكان هذا محض التّقليد، فلهذا السّبب لم تصر الكلمة مقبولة منه".(1)
ب) - يقول الإمام ابن عاشور معبّرا عن نفس الفكرة، ولكن بتحليل أدقّ، قال: (الذِي ءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَآءَيلَ) ليفيد مع اعترافه بالله تصويبه لبني إسرائيل فيما هُدُوا إليه، فجعل الصّلة طريقا لمعرفته بالله، ولعدم علمه بالصّفات المختصّة بالله إلا ما تضمنته الصّلة، إذ لم يتبصّر في دعوة موسى تمام التّبصّر، ولذلك احتاج أن يزيد "وأنا من المسلمين"، لأنّه كان يسمع من موسى دعوته لأن يكون مسلما، فنطق بما كان يسمعه، وجعل نفسه من زمرة الذين يحق عليهم ذلك الوصف".(2)
قلت: قد أطال المفسّرون في بيان رفض ذلك الإقرار وذكروا لذلك احتمالات لا تخلو من غرابة. ثم إن القول بقبول توبة فرعون كما ذهب إليه البعض لا قيمة له، إذ النّصوص القطعية تردّ ذلك كما جاء بعد هذه الآية بالذّات، وكما تقدم في شروط قبول التّوبة في سورة النّساء، وقوله تعالى في سورة غافر: (فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمُ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللهِ التِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) (85).
(1) 1 - الفخر الرازي، مفاتيح الغيب،17/ 154.
(2) 2 - محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتنوير، 11/ 276.