سورة يونس
الجزء ٨ · صفحة ٢٩٤كان أمر الله لموسى أن يستعدّ للخروج من مصر مع قومه عندما قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً)، وكان ذلك تمهيدا لبيان رحلة الخروج التي جعلها الله سببا لإهلاك فرعون وجنوده. فقوله تعالى هنا: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئيلَ الْبَحْرَ) معطوف على الجملة التّمهيدية السّابقة، ومجاوزة المكان هي قطعه، وإسناد الفعل إلى ضمير العظمة: "جَاوَزْنَا" للدّلالة على قدرة الله ورعايته لموسى بفلقه البحر وجعله طريقا يبَسًا للمرور بأمن وسلامة كما قال تعالى في سورة طه: (وَلَقَدَ اَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنَ اَِسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَى) (77). ووصف الله لحاق فرعون بهم بأنه بغي وعدوٌ لتأكيد فظاعة ذلك البغي وتجاوزه الحدّ في الظّلم والعدوان، لأن سلطة فرعون على بني إسرائيل قد انتهت بخروجهم من مملكته، ثم إنه قد أذن لهم بالخروج، فلحاقه بهم على ذلك ليردّهم قسرا هو محض العدوان والظّلم. ولم يكفّ عن اللّحاق بهم حتى أدركه الغرق، وذلك بعد أن نجّى الله بني إسرائيل على الضّفة الأخرى من البحر، وكان فرعون وجنوده قد نزلوا كلهم في ذلك الطّريق المضروب، فأطبق الله أمواج إلى غاية انتهائهم إلى الغرق.
وجملة: (حَتَّى إِذَآ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُ’ لآَ إِلَهَ إِلاَّ الذِي ءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَآءَيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) تفيد أن الأمواج لم تنطبق عليه جملة واحدة، وذلك نكاية في تعذيبه وهو يعالج الموت، وعند بداية الغرق أدركته داعية الإيمان لما شاهده من رعاية الله لموسى وقومه، ولم يكد ينطق بالشّهادة حتى يئس من الحياة، مما يدلّ على شدة صلابته في الكفر والطّغيان.