نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة هود

الجزء ٨ · صفحة ٣٢٣

ومثل هذا النّسج البديع لا يصدر إلا من عند الله العليم الخبير، وكلّ من الوصفين المقدّسين للذات العلية هو تقرير للإحكام والتّفصيل، فالإحكام يقتضي العلم الكامل والتّفصيل يقتضي الخبرة الكاملة بالخفايا الباطنة لأسرار الصّنعة في الإتقان، وصدق الله إذ قال: (اَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً) (النساء:82). ولتفسير وبيان معنى الإحكام والتّفصيل لآيات القرآن، جاءت الجمل التّفسيرية في قوله تعالى: (اَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ)، أي إن أول ما أحكمت به آيات هذا الكتاب وفصّلت أن تدعوكم إلى عبادة الله ولا تشركوا به شيئا، أو هي بمعنى: لئلا تعبدوا إلا الله، وهذه الدّعوة هي الأصل المشترك بين كل الدّعوات السّماوية.

أ) - (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً اَنُ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ) (النحل:36).

ب) - (وَلَقَدُ اوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنَ اَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الزّمر:65).

ويأتي قوله تعالى على لسان رسوله: (إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ) بين جملتين تفسيريتين، يأتي في المكان المناسب لبيان مهمّة الرّسول في التّبليغ، وقد جمع بين النّذارة والبشارة للكافرين والمؤمنين من كافّة الخلق. وهذا الجمع بينهما مناسب للجمع بين طرفي التّوحيد السّلبيّ والإيجابي في قوله: (اَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ)، أوّلا بالنّهي عن عبادة غير الله، ثم طلب عبادته وحده بالاستثناء. وبمثل هذا الإيجاز البليغ جمع الله بين أصول الاعتقاد: توحيد الله، والرّسالة، وما أخبر به الرّسل من أمور الغيب.

٢٬٥٤٩ / ٦٬٧٦٧