نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة هود

الجزء ٨ · صفحة ٣٢٤

ثم قال تعالى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مََّتَاعاً حَسَناً اِلَى أَجَلٍ مُُّسَمّىً وَيُوتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ’ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ، اِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ):

(وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ): جملة تفسيرية ثانية معطوفة على سابقتها، ترشد المخاطبين إلى طريق عبادة الله واتخاذ الوسائل للتخلّي عن أوضار الشّرك بالاستغفار والتّوبة بطلب المغفرة من الرّبّ تعالى شعورا بالتّقصير في ما مضى وعدم المؤاخذة على الذّنب، ثم العزم على عدم العودة إليه في المستقبل، جمعا بين القول والعمل في وسيلة التّطهير والتّزكية، لأن ذلك أضمن للاستقامة والسّلوك النّظيف، فكم من مستغفر بلسانه لا تصدق توبته عمليا، إلاّ أن يوفقه الله إلى تمام الإنابة إليه.

وفي اختيار صفة "الرّبّ" مضافة إلى ضمير المخاطبين استجاشة لطيفة لإثارة العاطفة الإيمانية، وزيادة في أسلوب التّرغيب إذ رتّب على الاستغفار والتّوبة جزاءين دنيويّ وأخرويّ:

أ) - (يُمَتِّعْكُمْ مََّتَاعاً حَسَناً اِلَى أَجَلٍ مُُّسَمّىً): جزاء عاجل محمود، يتمثل في متاع الدّنيا بكل أنواعه من أطايب العيش ورغد الحياة، وصف ذلك المتاع بالحسن، لنفي كل ما يخالط المعيشة الدّنيوية من المكدّرات والمنغّصَات، ومع حسن ذلك المتاع العاجل فهو محدود إلى أجل مسمّى بحسب ما تقدّر لكم في علم الله من الأعمار والأرزاق، فهو -وإن طال عليكم أمده في عمر طويل- قليل بالنّسبة للنعيم الأبدّي، ولذا يرد وصفه بالقلة في القرآن كقوله تعالى: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) (النساء:77).

٢٬٥٥٠ / ٦٬٧٦٧