نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة هود

الجزء ٨ · صفحة ٣٣٠

(إِنْ هَذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ): قرأ الجمهور: (إِلاَّ سِحْرٌ) على أن "هَذَا" إشارة إلى المدلول عليه بـ"قلت" وأن الإخبار بالبعث هو من قبيل ما يخبر به السّحرة لخصائص تؤثر في النّفوس. وقرأ حمزة والكسائي وخلف: (إِلاَّ سَاحِرٌ) إشارة بـ"هذا" إلى الرّسول المفهوم من ضمير "قلت".

د) - البيان والتّفسير:

بعد بيان قدرة الله في رجوع خلائقه إليه للحياة الأخرى، وإحاطة علمه بما يسترون وما يعلنون، وذلك ما يغفل عنه النّاس عادة أعقبه هنا ببيان ما لا يستطيعون إنكاره من توفير الأرزاق لجميع الكائنات وإحاطة علمه تعالى بكلّ ما يتعلق بحياتها وتدبير شؤونها، وكيف قدّر مجالات تلك الحياة في أرجاء ملكه الواسع بإحكام وإتقان فقال جلّ من قائل: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الاَرضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُُّبِينٍ).

العطف بالواو هو الرّابط بين الجمل السّابقة واللاحقة في تناسق بديع ليجعل الله من كفالته لأرزاق الدّوابّ والتي لا حيلة لها في شؤون تدبير وسائل اكتسابها، ويجعل من إحاطة علمه بمستقرّها ومستودعها دليلا على قدرته الشّاملة وعلمه الواسع، وأن الذي قدّر ذلك في الحياة الأولى لا يعجزه أن يعيد الخلق للحياة الثّانية. فيكون هذا الإخبار بمثابة التّوطئة للاستدلال على حقية البعث الذي ينكره الكفار الجاحدون.

وتقديم الجارّ والمجرور على متعلقهما لإفادة القصر. وليس في قوله تعالى: (عَلَى اللهِ رِزْقُهَا) معنى الوجوب إذ لا واجب على الله، بل للدلالة على اللّزوم والمحقوقية التي هي من مجالي رحمته بخلقه، إذ تكفّل بتلك الأرزاق بعد أن أحسن كلّ شيء خلقه، فقد وضع تلك السّنن وأوجب ذلك النّظام بمقتضى علمه ومشيئته تعالى لا بإيجاب موجب ذي سلطان عليه، لأنّ ذلك يستحيل على الله عقلا وشرعا.

٢٬٥٥٦ / ٦٬٧٦٧