نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة هود

الجزء ٨ · صفحة ٣٣٢

وبعد التّدليل على علم الله الشّامل وحسن تدبيره لشؤون مخلوقاته يأتي التّدليل على مجال قدرته وحكمته في خلق السّماوات والأرض وما سبق ذلك من خلق العرش والماء، ربطا بين ما تقوم عليه حياة الكائنات والنّظام الذي يقوم عليه الكون كله، مما يدلّ على وحدة الوجود وتناغمه في إطار الزّمان والمكان فقال جلّ من قائل: (وَهُوَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ’ عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمُ أَيُّكُمُ أَحْسَنُ عَمَلاً).

تبرز هذه الآية مرة أخرى قدرة الله في الخلق والتّكوين، كما تقدم نظيرها في سورتي الأعراف ويونس، إلاّ أنّ الجديد هنا هو قوله تعالى: (وَكَانَ عَرْشُهُ’ عَلَى الْمَآءِ)، فإذا كان خلق السّماوات والأرض في العالم المشاهد للإنسان نسبيا يرسم له حدود الزّمان والمكان التي يعيش فيها مع الكائنات المادية الأخرى، فإن خلق العرش والماء قد سبق ذلك بالكيفية التي لا يعلمها إلا الله وهو يرسم مجالات العالم الغيبيّ، مما لا نستطيع -نحن البشر- التّطاول إلى معرفته إلا أن يكون من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الثّابتة عنه. وقد روي عنه أنه قال: «كان الله وما كان معه شيء، ثم كان عرشه على الماء».(1)

وأمثال هذه النّصوص التي تتعرّض لبعض الظّواهر الكونية للدلالة على قدرة الله قد نستعين على فهمها ببعض النّظريات العلمية في علمي الفلك والكون، وليس في ذلك من حَرج، بل هو المطلوب الشّرعيّ في التّأمّل والتّدبّر. غير أننا لا نشكّ في إيماننا بصدق القرآن وأنه من علم الله، وذلك عندما تبدو النّظرية العلمية المتداولة غير موافقة لما في النّصّ القرآني.

(1) 1 - رواه البخاري من حديث عمران بن حصين، كتاب بدء الخلق، باب في قول الله تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده … )، رقم 3019.

٢٬٥٥٨ / ٦٬٧٦٧