سورة هود
الجزء ٨ · صفحة ٣٣٣يقول السّيد قطب -رحمه الله- في هذا المعنى: "والنّصّ القرآني صادق بذاته اهتدى العلم إلى الحقيقة التي يقرّرها أم لم يهتد". ثم يقول: "وتلمّس موافقات من النّظريات العلمية للنصوص القرآنية هو هزيمة لجدّية الإيمان بهذا القرآن واليقين بصحّة ما فيه، وأنه من لدن حكيم خبير. هزيمة ناشئة من الفتنة بالعلم وإعطائه أكثر من مجاله الطّبيعي الذي لا يصدق ولا يوثق به إلا في دائرته".(1)
قلت: وهذا المعنى نأخذه من قوله تعالى في سورة غافر: (فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) (83).
وقوله: (لِيَبْلُوَكُمُ أَيُّكُمُ أَحْسَنُ عَمَلاً) تعليل لذلك الخلق العظيم بأن المقصود به هو تلك الخلائق التي تسبّح بحمده وتدين له بالتّذلل والخضوع. سيما الإنسان، وهو محط التّكليف، وقد أودع الله فيه قابلية الصّلاح والفساد، وسخّر له ما في السّماوات وما في الأرض جميعا منه ليختبره في ما آتاه، لا لتحصيل العلم بأحواله، لأن الله عليم بأحوال خلقه، وعليم بكل شيء، ولكن ذلك كناية عن ظهور آثار خلقه للمخلوقات.
وبما أن النّاس يختلفون في أحوالهم بحسب ما يختارون، فمنهم كافر ومنهم مؤمن، ومنهم أمين وديع، ومنهم خائن جبّار، فإنّ حكمة الله اقتضت الجزاء على تلك الأعمال، ويترتب على ذلك إعادة الخلق ليوم الحساب.
وبما أن في المخاطبين من ينكر البعث والحساب، لعدم معرفتهم لقدرة الله، وجّه الله الخطاب لرسوله، ليخبره كيف يكون ردّ المشركين في قضية البعث فقال جلّ من قائل: (وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنم بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُُّبِينٌ).
(1) 2 - سيد قطب، في ظلال القرآن، /517.