سورة هود
الجزء ٨ · صفحة ٣٧٦تتوالى أحداث قصّة نوح مع قومه، وقد انتهت المحاورة إلى التّحدّي واستعجال العذاب، فيتلقى نوح الوحي من ربّه يؤنسه من إيمان بقية قومه ويأمره بصنع السّفينة فيقول تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ اَنَّهُ’ لَنْ يُّومِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدَ امَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ، وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ).
أخبر الله نوحا عليه السلام بواقع قومه من حيث الإيمان وعدمه، وأنّ أمَدَ الدّعوة قد انتهى، وأن لا جدوى مع البقية المصرّة على الكفر إذ لا مطمع في إيمانهم، والله أعلم بذلك الواقع، وأمّا من سبق إيمانه فهو ثابت عليه لا يرتدّ عنه أبدا، ويدلّ على ذلك تأكيد فعل "آمن" بـ"قد"، وفي مثل هذا الموقف المؤسف نهى الله نوحا عن الغمّ والحزن على ما صدر من قومه، إذ حكم قضاء الله وانتهى الأمر. لأن الدّاعية مهما يلاق من الصّدود والإعراض فإنه لا يفقد الرّجاء ولا يجنح إلى اليأس، ولكن نوحا عليه السلام قد امتثل لإرشاد الله واستنزل سخط الله عليهم بدعائه: (رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الاَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً، اِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً) (نوح:26 - 27).
وفي غمرة هذا اليأس المشروع يأمره الله بصنع السّفينة لتكون أداة لنجاته مع من آمن من أهله وقومه: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ)، يصنعها بإرشاد من الله ورعايته، وجيء بلفظ "أعين" جمعا للدّلالة على كمال الرّعاية، بحيث يتفادى الأخطاء المحتملة في الصّنع، لأن تلك الصّناعة لم تكن معروفة في ذلك الوقت، وهي تقتضي من نوح التّفرّغ والاعتناء، فقد فرغ من أمر الدّعوة، ويستعدّ لقضاء الله، فلا تأخذه رأفة على الظّلمة وقد تأكد إغراقهم.