سورة هود
الجزء ٨ · صفحة ٤٠٤وقوله: (فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) تفريع على الاستفهام الإنكاري: (فَمَنْ يَّنصُرُنِي مِنَ اللهِ)، أي ما تزيدونني برجائكم إلا تضليلا وخسارة، بتفويت ما حباني الله به إن أخذت بقولكم. وقيل المعنى: ما تزدادون أنتم إلا خسارا.
(وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمُ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَاكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَاخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ، فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ):
إن القوم كانوا في حيرة وشكّ مما دعاهم إليه صالح -وقد صرّحوا له بذلك- فلا بدّ -إذن- من معجزة تزيل ذلك الشّكّ، وعادة ما تأخذ المعجزة المادية للرسل غرابتها من محيط القوم المدعوّين. فقوم صالح -كما وصفهم القرآن- هم فلاحون وموّالون، فتمثلت معجزة صالح في هذه النّاقة العجيبة التي ميّزها النّصّ عن الإبل المعهودة بشيئين:
أ) - أنها (نَاقَةُ اللهِ): فهي مشرّفة بإضافتها إلى اسم الجلالة، خلقها بقدرته بصفة خارقة للعادة، إذ انفلقت عنها الصّخرة كما تقول الرّواية.
ب) - (لَكُمُ ءَايَةً): تدلّ على صدق الرّسول في ما يدعو إليه من عبادة الله، وفي ما يتوعدّهم به إن هم خالفوا أمره. ولما كان الإتيان بمعجزة لقوم يستلزم نوعا من التّبعة والالتزام، فقد وصّاهم صالح بحسن رعايتها وعدم التّعرّض لها بسوء: (فَذَرُوهَا تَاكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَاخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ)، والرّعاية المطلوبة لها لا تتطلب جهدا منهم، إذ هي مكفولة الرّزق ترعى كما تشاء في أرض الله، وحذّرهم من التّعرّض لها بسوء مهما كان نوعه، فإنّ ذلك يعقبه عذاب عاجل يشمل الجميع، ولكن القوم تعجّلوا التّمرّد والعصيان، شأن المتعجرفين المستكبرين.