نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة هود

الجزء ٨ · صفحة ٤٠٥

(فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ): والعطف بفاء التّعقيب يدلّ على تسلسل تلك الأحداث بسرعة وبترتيب. فالقوم لم يصبروا أمام ذلك الاختبار الرّباني بجعل الماء قسمة بينهم وبين النّاقة إذ قال لهم صالح: (قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ) (الشّعراء:155). وكرهوا ذلك التّناوب على البئر، فتآمروا على عقرها وقتلها. قيل: إنهم كانوا تسعة وعلى رأسهم "قدارَ بن سالف" عاقر النّاقة، وقد وجدوا من بقية القبيلة التّأييد والتّشجيع. وللشرّ والفساد رهط من بني البشر تعتوا عن أمر الله قال تعالى فيهم: (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الاََرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ) (النّمل:48).

ومن شدة الكفر والتّمادي في العصيان أن استعجلوا وقوع العذاب عليهم عندما قالوا: (يَا صَالِحُ ايتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (الأعراف:77). ولكن الرّسول الواثق من ربّه أمهلهم ثلاثة أيام يمتّعون فيها بالعيش كالمعتاد، ولكنها تكون لهم آخر متعة بالحياة فيلفّهم العذاب كما توعّدهم الله ووعده الحق غير مكذوب فيه: (فَلَمَّا جَآءَ امْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ’ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ اِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ، وَأَخَذَ الذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ، كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَآ أَلآَ إِنَّ ثَمُودًا كَفَرُواْ رَبَّهُمُ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ).

وها هي الأيام الثّلاثة قد انتهت وحمّ القضاء بأمر الله لإنجاز ما وعد على القوم العتاة الظّالمين، وأمّا صالح وأتباعه من المؤمنين فقد أنجاهم الله من ذلك العذاب الاستئصالي ومن خزيه ومهانته، ولم يذكر النّصّ كيفية ذلك الإنجاء، إلاّ أنّه كان بفضل الله ورحمته.

٢٬٦٣١ / ٦٬٧٦٧