نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة هود

الجزء ٨ · صفحة ٤١٤

ومناط تعجّبها هو أن تلد في مثل تلك السّنّ وكانت من قبل عقيما. وتذكر نصوص التّوراة أنها بنت تسعين وبعلها ابن مئة أو يزيد عليها في رواية أخرى، وقد فسّر اللّغويّون: "ضَحِكَتْ" بـ"حاضت"، وفي الشّعر العربيّ مثل ذلك الاستعمال كقول أحدهم:

وإني لآتي العروس عند طهورها … وأهجرها يوما إذا تك ضاحكا

وقد ناقش القطب هذا التّفسير للكلمة فقال: "واعترض تفسير الضّحك بالحيض بأنه لا يلائمه تعجّبها بعد إذ قالت: (ءَاَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) لأنه لو حاضت قبل التّبشير لم تتعجّب من الولادة لأنّ الحيض معيار للولادة".(1)

فأجابتها الملائكة بالاستفهام الإنكاريّ لتعجبّها: (أَتَعْجَبِينَ مِنَ اَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ’ عَلَيْكُمُ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ’ حَمِيدٌ مََّجِيدٌ)، أنكر الملائكة تعجّب سارة من أمر الله، إذ لا يكون ذلك لائقا بأمثالها، وهي ركيزة بيت النّبوءة، وقد عاشت فيه وشاهدت كثيرا من خوارق العادات في لطف الله بإبراهيم، فيجب أن تطمئن إلى قدرة الله في تدبير الأمور، سواء ما أجراه منها على السّنن المعتادة، أو جاءت عللا خلاف العادة، فإن الله لا يعجزه شيء من ذلك، ورحمته وبركاته قد غمرت أهل البيت من آل إبراهيم: (رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ’ عَلَيْكُمُ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ’ حَمِيدٌ مََّجِيدٌ)، فالجملة إما دعائية أو إخبارية من طرف الملائكة بأن يخصّ الله تعالى ذلك البيت ببركاته الواسعة ورحمته الغامرة فتنحصر النّبوءة والرّسالة في نسل إبراهيم إلى يوم القيامة. فلا عجب -إذن- أن يخرق الله عادة النّسل بعد يأس العجوز وشيخوخة البعل، والله تعالى يمنّ على من عباده، وأنتم أهل لتلك المنة وذلك الفضل.

(1) 1 - امحمد بن يوسف اطفيش، تيسير التفسير، 6/ 440.

٢٬٦٤٠ / ٦٬٧٦٧