نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة هود

الجزء ٨ · صفحة ٤١٣

وللإمام ابن عاشور تنظير جيّد بين الآيتين إذ قال: "وقد اختصرت القصة هنا اختصارا بديعا لوقوعها في خلال الحوار بين الرّسل وإبراهيم عليه السلام وحكاية ذلك الحوار إتمامه بحكاية قولهم: (لاَ تَخَفِ اِِنَّآ أُرْسِلْنآ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، وأمّا البشرى فقد حصلت قبل أن يخبروه بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط كما في آية سورة الذّاريات، فلمّا اقتضى ترتيب المحاورة تقديم جملة: (قَالُواْ لاَ تَخَفِ) حكيت قصة البشرى وما تبعها من المحاورة بطريقة الحال؛ لأنّ الحال تصلح للقبلية، وللمحاورة، وللبعدية، وهي الحال المقدّرة".(1)

قلت: ويؤيّد التّرتيب الوارد في سورة الذّاريات ما ورد في سورة الحجر من قوله تعالى: (إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ، قَالُواْ لاَ تَوْجَلِ اِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ) (الحجر:52 - 53).

والغلام المبشر به هو إسحاق، ومن بعده يعقوب، وهو الحفيد، أي أنها سوف تعيش حتى ترى ولد ابنها، وفي ذلك تمام النّعمة والفضل لها من الله، وزيادة في البشرى، وقد جعل الله ذلك منّة عظمى لخلقه إذ قال في سورة النّحل: (وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنَ اَنفُسِكُمُ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ اَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُومِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ) (72).

تعجّبت سارة بهذه البشرى فقالت: (يَا وَيْلَتَى ءَاَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً اِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ). ويجيء النّداء التّعجيبي: "يَا وَيْلَتَى" عند الأمر المهول خيرا أو شرّا. ولشدة ذلك العجب اجتمع في الجملة النّداء والاستفهام ثم وصف ذلك الشّيء بالصّفة المشبهة: "عَجِيبٌ" مع توكيد الجملة الاسمية بمؤكدين: "إِنَّ" و"اللاّم".

(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتنوير، 12/ 119.

٢٬٦٣٩ / ٦٬٧٦٧