نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة هود

الجزء ٨ · صفحة ٤١٨

في دمج القصّتين وصل مقدّر مفهوم من السّياق، إذ علم إبراهيم أنّ الملائكة ذاهبون إلى قوم لوط، فالتّقدير: أنهم بعد مفارقتهم إبراهيم ذهبوا إلى قوم لوط. قال ابن عبّاس رضي الله عنهما: "انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط ابن أخي إبراهيم، وبين القريتين أربعة فراسخ، ودخلوا عليه على صورة شباب مرد من بني آدم، وكانوا في غاية الحسن، ولم يعرف لوط أنهم ملائكة الله".

ولذلك ساءه مجيئهم وضاق بهم ذرعا في احتمال ضيافتهم، لا عن بخل وعوز، ولكن لما كان يتوقّعه من تهافت قومه على أولئك الشّباب الصِّبَاح الوجوه، وربما عجزوا عن مقاومتهم إذا أرادوا بهم سوءا. ولم يجد لوط بُدّا من التّعبير عن مكنون صدره إذ قال: (هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ)، مما يدلّ على أنّ الغمّ قد بلغ به مبلغا في نفسه لم يجد له متنفّسا إلا أن يقول تلك الجملة ترويحا وتنفيسا. وللترويح عن النّفس أساليب عند الإنسان، أشدّها التّأوّه والتّحسّر والبكاء.

(وَجَآءَهُ’ قَوْمُهُ’ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ): ومجيء القوم إلى لوط على هيئة الإهراع يصوّر تلك الحمّى الهستيرية التي كانت تأخذهم عند توفّر دواعي الفاحشة المنكرة من إتيان الذّكران، والتي أشير إليها إشارة لطيفة بقوله تعالى: (وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ)، بحيث كانوا يتسابقون إليها ويتنافسون، فما حيلة لوط أمام ضيوفه، وقد أهاجوا بجمالهم شهوة القوم، فلا تعقّل ولا رشاد. غير أن لوطا بادرهم بلطف وهو يقول: (يَا قَوْمِ هَؤُلآَءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ).

٢٬٦٤٤ / ٦٬٧٦٧