سورة هود
الجزء ٨ · صفحة ٤٢٩فياله من ردّ ينمّ عن السّخرية والاستهزاء، وأنّ القوم مصمّمون على البقاء على ما هم عليه، إن في الجانب الاعتقادي أو في الجانب العملي. ولمّا كانت الصّلاة هي عماد الدّين وأصدق مظهر للاعتقاد -وكان شعيب كثير الصّلاة، وكانت أخصّ أعماله لمخالفة معتادهم- فقد جعلوها هي الآمرة له أن يحمل قومه على ترك مألوفهم مما كان عليه آباؤهم وأسلافهم.
وإسناد الأمر إلى الصّلاة إسناد مجازيّ والاستفهام إنكاريّ: (أَوَ اَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَآؤُاْ): عطف على قولهم: (أَن نَّعْبُدَ)، أي نترك فعل ما نشاء في أموالنا بأن ننميّها بالطّرق التي نراها ناجحة في الرّبح والثّراء، بمعنى أنهم أحرار في تصرفّهم بأموالهم، فهذا الرّدّ اللّئيم يتناول ما جاء في دعوة شعيب من الجانب الاعتقادي والعملي بأسلوب السّخرية والاستهزاء أكّدوه بقولهم: (اِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)، والجملة تشتمل على أربعة مؤكدات: حرف "إن" و"لام" القسم وصيغة الحصر وإسمية الجملة. فهم قالوا ذلك زيادة في التّهكم برسولهم، إذ أرادوا وصفه بضدّ تلك الأوصاف المذكورة.
واستمرّ شعيب يلاطفهم بصبر وأناة فيقول: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَآيْتُمُ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَآ أُرِيدُ أَنُ اخَالِفَكُمُ إِلَى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنُ ارِيدُ إِلاَّ الاِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ).