سورة يوسف
الجزء ٩ · صفحة ٩بعد ذلك التّمهيد بإضفاء صفة الإبانة على القرءان بما تضمنته قصّة يوسف من التّفاصيل تميزّها عن بقية القصص شرع الله في بيان حلقات تلك القصة المثيرة بذكر ما اصطلح عليه الفنّ القصصيّ "بالعقدة" وهي اللّغز المبهم الذي يجتذب ذهن السّامع لمعرفة حلّه وفكّ رموزه فقال تعالى:
(إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَآ أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ):
ولما كان قوله تعالى في الآية السّابقة: (نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ): يشتمل على قصص كثير، وكله حسن لأن القاصّ هو الله تعالى، وكان منها قصّة يوسف العجيبة فإن الجملة: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيه): بدل اشتمال منها. وقيل: إنها بدء كلام جديد يقدّر له: اذكر يا محمد لقومك قصّة يوسف حين قال لأبيه ونداؤه. بِ (يَآ أَبَتِ): جاء على عادة كلام العرب في النّداء إذ يلحقون التّاء بكلمتي الأب والأمّ على نية الإضافة إلى المتكلم، وللغويين احتمالات في تعليل وصلها بآخر الكلمة في النّداء. والمقصود بالنّداء للحاضر المخاطب هو الاهتمام بالخبر الذي سيلقي إليه. وقد لخّص يوسف أبيه ما شاهده في رؤياه المنامية. بأنه رأى أحد عشر كوكبا والشّمس والقمر تسجد له سجود احترام وخضوع ويكون بالتّضامن والانحناء أمام المعظّم من القوم على عادة أهل فلسطين ومصر وبلاد المشرق بصفة عامّة في ذلك الزّمان. وليس هو بسجود عبادة، لأن ذلك لا يكون إلا بنيّة التّقرب إلى الله.
ولتأخذ هذه الرّؤيا معنى الإلهام المؤشِّر ليوسف بالنّبوءة، فقد كان إخباره بها لأبيه:
أ) - باستعمال ضمير جمع المذكّر: (رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ).