سورة يوسف
الجزء ٩ · صفحة ٢٦رجع الإخوة في ءاخر اليوم وهم يجرّون أذيال الكيد والظّلم ليواجهوا أباهم بالتّباكي وليحبكوا كذبة أخرى نسجوا خيوطها مما حذّرهم به أبوهم من حكاية الذئب. وهكذا يجد المتظلّمون بالباطل وسائل للتّمويه والكيد، يتستّرون بها ولكن اللّبيب الحاذق لا تخفى عليه، لأن المجرم قد يهمل بعض ما يمكن أن تجد فيه المباحث قناة إلى الكشف عن المجرم. وقد قال الشّاعر: "يكاد المريب يقول: خذوني". فقد بادر الإخوة بالاعتذار لأبيهم في حالة تباك وتكلّف للحزن: (إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّيبُ وَمَآ أَنتَ بِمُومِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ): فهم يعرفون أنها كذبة مكشوفة، ولذلك سارعوا إلى التّعبير عما يعتقدونه في أبيهم من اتهامه إياهم بالغلّ والحسد لأخيهم. وأنه من فرط حبّه لابنه لا يمكن أن يصدّقهم في ما قدّموا له من عذر ولو كانوا في الواقع صادقين.
وبما أن الإدّعاء هو تركهم ليوسف وحده إلى جانب أمتعتهم وابتعادهم عنه للاستباق، وأن الذّئاب المفترسة قد أتت على الجثة كلها، فلم تبق -إذن- إلا الثّياب التي جاؤوا بها إلى الأب ويبدو أنهم نزعوا ذلك القميص عن أخيهم قبل إلقائه في الجبّ. والتّعبير البليغ: (وَجَآءُو عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ): يحمل أدلّة التّمويه والكذب، ولعلّ يعقوب عليه السلام قد تفطن لها فأجابهم بصيغة الإضراب: (بَلْ): عن ذلك الإدّعاء الملفق. ومن تلك الأدلة:
أ) - أن الدّم كان فوق القميص لم يتغلغل في ثناياه مما يدلّ على أن ذلك الدّم طرح عليه عمدا للتّمويه فهو دم مكذوب جيء بالمصدر وصفا له حتى كأنه عين الكذب.
ب) - لو حدث الافتراس –كما يدّعون- لجاء القميص ممزّقا بمفعول الأنياب.