سورة يوسف
الجزء ٩ · صفحة ٣٩والمراودة في تفسير الرّاغب: "هي أن تنازع غيرك في الإرادة فتريد غير ما يريد، أو ترود غير ما يرود". أي يلاحظ في اللّفظ معنى التّلطف مع الحرص والمخادعة لبلوغ المقصود. والتّعبير: (عَن نَّفْسِهِ): هو كناية عن غرض المواقعة. ويفهم منه أن المغازلة تطوّرت إلى المكاشفة والمصارحة من طرف المرأة. وقد ذكرها النّصّ بالموصولية: (التِي هُوَ فِي بَيْتِهَا): لأن ذلك أدعى أن يطوّع يوسف إلى مرادها. كما يدلّ على المكاشفة البذيئة غلق الأبواب بإحكام وقولها الصّريح: (هِيتَ لَكَ): بمعنى أقبل وبادر. وهو أسلوب في غاية الإحتشام والنّزاهة في مثل تلك المواقف المثيرة، واللاّم لزيادة المقصود من الخطاب فماذا يكون ردّ الفعل من يوسف؟ الكريم بن الكريم غير الرّفض والامتناع والعياذ بالله لشدّ أزره في تلك المحنة وأزاء تصرّف المرأة المكشوف القذر، وعلّل تلك الاستعاذة بقوله: (إِنَّهُ’ رَبِّيَ أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ’ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ): يحتمل في ضمير: (إِنَّهُ’): أن يكون للفظ الجلالة أي ألتجئ إليه تعالى فهو ربّي فهو الذي رعاني وأحسن مقامي عندكم وخصّني بالعفة والأمانة ويحتمل أن يعود إلى زوج المرأة فيكون: (رَبِّيَ): بمعنى سيدي ومالكي، بقرينة قوله: (أَحْسَنَ مَثْوَايَ): أي إنني لا أخونه بهتك حرمة زوجه لأن ذلك اعتداء وظلم يؤدي إلى عدم الفوز والفلاح. ولبيان ما كان في تلك المحاولة من الجدّ في تحقيق المقصود من ذلك الإغراء جيء بقوله تعالى:
(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءا بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَآءَ اِنَّهُ’ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ):