نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة يوسف

الجزء ٩ · صفحة ١١٢

لقد علموا أن لا مطمع في تخليص أخيهم وبلغ اليأس في نفوسهم مبلغه. فانفردوا يتناجون فيما بينهم للتشاور في إيجاد المسلك لإقناع أبيهم. ولم يذكر النّصّ من تلك المناجاة إلا ما قاله كبيرهم. وقد يكون ذلك الكبر في السّنّ –وهو روبيل- أو الكبر في العقل والرأي وهو –يهوذا- صاحب التّدبير، لإلقاء يوسف في البئر. فقد ذكّرهم بالموثق الذي أخذه عنهم أبوهم في المحافظة على أخيهم الصّغير إلا أن يحاط بهم. كما ذكّرهم بما كان من تفريطهم في يوسف من قبل. قال ذلك بالاستفهام التّقريريّ: (أَلَمْ تَعْلَمُواْ): ليفيدهم بأن الأب المفجوع لا يصدّقهم في ما يخبرونه به مهما لفّقوا له من أعذار ثم في تحدّ وجزم رتب على ذلك قراره أن لا يبرح أرض مصر إلا بإذن من أبيه، أو يقضي الله له بحكم في هذه القضية ينقاد له، لأن الله لا يحكم إلا بالحق والعدل. قال ذلك ارتكانا إلى الله أن يجعل له مخرجا مما هو فيه. والتماسا للغدر في ما حدث. ويلاحظ أن الأخ الصّغير لم يتحرّج مما قضى به يوسف باستبقائه عنده. إذ التزم موقف الحياد في مناجاة الإخوة لأنه عليم بمراد أخيه يوسف. وأما الأخ الكبير فقد طلب إلى إخوته أن يرجعوا إلى أبيهم ويصارحوه بما حدث، كما كان في الواقع الذي عاشوه وشاهدوه أما الحقيقة الكامنة وراء تلك الأحداث فهي من أمور الغيب غير مكلّفين بمعرفته. وإلا لما أعطوا موثقهم لأبيهم. وتتضمن هذه الإجابة منهم نوعا من التلطف بأبيهم، إذ احترسوا بأمور الغيب من كون أخيهم قد سرق حقيقة. وحتى يزيلوا الشكّ من قلب أبيهم طلبوا منه أن يسأل أهل مصر ويسأل رفاقهم من أصحاب العير الذين أقبلوا معهم للامتياز ثم أكّدوا ذلك بقولهم: (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ).

(قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمُ أَنفُسُكُمُ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَّاتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً اِنَّهُ’ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ):

٢٬٨١٣ / ٦٬٧٦٧