سورة يوسف
الجزء ٩ · صفحة ١٢٥تحرّكت قافلة الإخوة حاملة معها قميص يوسف كذليل قاطع على وجوده في الأحياء، وكوسيلة لعودة نور الأبصار وتحقيق الشّفاء. فيا لها من عودة سعيدة، شام يعقوب بوارقها بمجرّد أن تحركت القافلة من مصر. فلم يخف إحساسه السّعيد على من حضر معه من أهله إذ قال لهم: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَآ أَن تُفَنِّدُونِ): فكيف ثمّ ذلك؟؟ ومن أية مسافة انتقلت تلك الرّائحة الخاصّة لتصل إلى أنف يعقوب؟؟ … لم يبيّن النّصّ تفاصيل ذلك. ولكننا لا نتعجب من تلك الألطاف الرّبانية التي يجريها للصلحاء من أوليائه. فإن قصّة عمر - رضي الله عنه - مع قائده "سارية" وبينهما ءالاف الكيلومترات بين المدينة والشّام، وعمر ينادي قائده: "يا سارية الجبل" فينتقل الصوت ليبلغ أذن سارية ويسارع بجيشه إلى الجبل إن في هذه القصّة المعروفة في تاريخ الإسلام لأقوى دليل على أن قصة ريح يوسف هي من قبيل تلك الخوارق التي تتمّ بقدرة الله لمن يشاء. أننا لو ذهبنا نحكّم العادة في مثل هذه الأمر لوقعنا في الشّكّ والارتياب. وإلى هذا التّفسير يذهب الإمام الرّازي رحمه الله في تفسيره: ج18 –ص208. كما رجح ذلك الإمام ابن عاشور في تفسيره التحرير: ج13 –ص52. قال يعقوب ذلك لمن حضر في مجلسه من أهله وقومه وهو يعلم أنهم لا يصدّقونه فأعقب كلامه بقوله لهم: (لَوْلَآ أَن تُفَنِّدُونِ): أي تنسبونني إلى الفند –وهو اختلال العقل من الخرف- وخبر: (لَوْلَآ): محذوف مفهوم من السّياق. والتّقدير لحققتم ذلك. وكان الحاضرون يرون ذلك الخرف في كلام يعقوب، لاعتقادهم أن يوسف قد مات، وأن الأب المسنّ كان يقول ذلك لشدّة ولعه بولده حتى لم يعد يسلاه أو ينساه. غير أن التّعبير يكونه في ضلاله القديم فيه كلام غليظ ما كان ينبغي أن يقال لنبي. ويعنون "بالقديم" طول مدّته.