سورة الإسراء
الجزء ١٠ · صفحة ٨وحول ذلك الجدل الطّويل في هذا الحادث واختلاف الرّوايات عليه يعلق السّيد قطب في ظلاله لما يجب أن تكون عليه نظرة المؤمن في مثل تلك الغرائب فيقول: " على أننا لا نرى محلاّ لذلك الجدل الطّويل الذي ثار قديما وحديثا حول طبيعة هذه الواقعة المؤكدة في حياة الرّسول صلى الله عليه وسلم والمسافة بين الإسراء والمعراج بالرّوح أو بالجسم، وبين أن تكون رؤيا في المنام أو رؤية في اليقظة … المسافة بين هذه الحالات كلها ليست بعيدة، ولا تغيّر من طبيعة هذه الواقعة شيئا وكونها كشفا وتجلية للرّسول صلى الله عليه وسلم عن أمكنة بعيدة وعوالم بعيدة في لحظة خاطفة قصيرة، والذين يدركون من طبيعة القدرة الإلهية ومن طبيعة النّبوءة لا يستغربون في الواقعة شيئا. فأمام القدرة الإلهية تتساوى جميع الأعمال التي تبدو في نظر الإنسان وبالقياس إلى قدرته وإلى تصوّره متفاوتة السّهولة والصّعوبة حسبما اعتاده وما رآه، والمعتاد المرئي في عالم البشر ليس هو الحكم في تقدير الأمور بالقياس إلى قدرة الله، أما طبيعة النّبوءة فهي اتصال بالملإ الأعلى -على غير قياس أو العادة لبقية البشر- وهذه التّجلية لمكان بعيد أو عالم بعيد، والوصول إليه بوسيلة معلومة أو مجهولة ليست أغرب من الاتصال بالملإ الأعلى والتّلقي عنه، وقد صدق أبو بكر رضي الله عنه وهو يردّ المسألة المستغربة المستهولة عند القوم إلى بساطتها وطبيعتها فيقول: إني لأصدّقه بأبعد من ذلك، أصدّقه بخبر السّماء".(1)
(1) 1 - سيد قطب، في ظلال القرآن:17/ 104.