سورة الإسراء
الجزء ١٠ · صفحة ٣١{مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ’ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ’ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً، وَمَنَ اَرَادَ الاَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُومِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً).
ما أروع التّعبير بالعاجلة للدّنيا، وهو يناسب ما سبق من وصف الإنسان بالعجلة، ثم إن تعليق همته بإرادته في حبّ الدّنيا واستعجال لذاتها هو تأكيد لمسؤوليته الشّخصية في ما يقوم به من أعمال. ويدلّ اختيار فعل الكون: {كَانَ يُرِيدُ)، يدلّ على تمحّض إرادته في ذلك كما يدل الفعل المضارع في خبر "كَانَ" على التّجدّد والاستمرار، وإسناد فعل التّعجيل للذات العلية ليس المراد به مجرّد المشاكلة اللّفظية، بل المقصود -والله أعلم- وصف متاع الدّنيا بسرعة الفناء والزّوال، كما وصفه الله تعالى في كثير من آي القرآن. وزيادة القيد بقوله: {مَا نَشَآءُ لِمَن يُرِيدُ) هو لإفادة أن ذلك لا يتمّ إلا بإرادة الله وبالمقدار الذي حدّده هو، فقد يكون من هؤلاء الماديين الدّنيويين من لا ينال من رغبته شيئا، وقد يعطى البعض منهم ما يتمنون أو بعضا من ذلك، وأعظمهم خسرانا هم أولئك الذين خسروا الدّنيا والآخرة، ولكن هذا الصّنف بكل أنواعه مصيره إلى جهنم حيث يلاقون الإهانة والطّرد من رحمة الله وهم فيها خالدون.
ب) - وأما الفريق الثّاني: فقد وصفه الله كسابقه بالإرادة، وجعل الخبر ماضيا للدّلالة على رسوخ تلك الإرادة وعلى المضي عليها طيلة حياته، إذ يعتبر الدّنيا معبرا للحياة الأخرى؛ ولأن الآخرة هي دار القرار، فتحصل من هذه الآية الكريمة ثلاثة شروط:
أ) - النّية والرّغبة الصّادقة في طلب ثواب الآخرة.