نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الإسراء

الجزء ١٠ · صفحة ٣٣

وفي حوصلة لما تقدم بيّن الله تعالى أن رحمته شاملة لكل أصناف خلقه بقطع النّظر عن إيمانهم أو كفرهم فقال جلّ من قائل: {كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلآَءِ وَهَؤُلآَءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً).

الإشارة إلى الفريقين المتقدّمين، وهما بدل من قوله: {كُلاًّ نُّمِدُّ)، والإمداد هو الاسترسال في العطاء، وقد اقتضت حكمة الله وعدله أن لا يحرم خلقه من عطائه الواسع، لأنهم في دار العمل والتّكليف ينالون حظهم من متاع الدّنيا بالقدر الذي فيه مصلحتهم، ثم تختلف أحوال الفريقين في المصير والمآل مصداقا لقوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) (الأعراف:156).

وقد بيّن الله هذا الحكم لسيّدنا إبراهيم عندما دعاه أن يرزق ذريته المؤمنة من الثّمرات فأجابه تعالى: {وَارْزُقَ اَهْلَهُ’ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنَ -امَنَ مِنْهُم بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ’ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِيسَ الْمَصِيرُ) (البقرة:126).

ومن حكمته تعالى في الإمداد والعطاء أن يجعل النّاس متفاضلين في الرّزق فوضّح لرسوله تلك الحكمة مذكّرا إياه بأن عطاء الآخرة أعظم وأفضل فقال: {انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلاَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً).

تبيّن الآية أن عطاء الله غير منوط بالصّلاح والتّقوى، فحكمة الله اقتضت التّمايز بين النّاس، فكما يكون التّفاضل بين فريقي المؤمنين والكافرين فقد يكون بين أفراد الفريق الواحد، والله أعلم بما يصلح لأصناف العباد، ولكن تفاضلهم في الدّار الأخرى هو أعظم وأشرف.

واقتصرت الآية على درجات النّعيم الأخروي في الجنة ترغيبا في طلبها، وإلا فإن جهنم هي الأخرى دركات متفاوتة تتفاوت فيها مقاعد المجرمين، اللّهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم.

وفي حكمة التّفاضل بين النّاس جاء قوله تعالى:

٢٬٨٨٢ / ٦٬٧٦٧