سورة الإسراء
الجزء ١٠ · صفحة ٧١لما نوّه الله بشأن القرآن بما صرّف فيه من الآيات للاهتداء، وأن الكافرين لا يزدادون به إلا إعراضا ونفورا، وهم مع ذلك لا يألون جهدا في إذاية الرّسول، جاءت هذه الآيات يؤمّنه الله فيها من مكرهم، إذ كان سماعهم لقراءته القرآن يستفزّهم ويغيظهم، والرّسول يتوقع ذلك منهم والله تعالى يحصّنه ويثبّته بمثل هذه الآيات إذ يقول له: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِالاَخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً).
إن الآيات الدّالة على عظمة الله وقدرته صامتة وناطقة، فإذا كان المشركون يعرضون عن الأدلة الكونية، ولا يتدبّرون في ما خلق الله في السّماوات والأرض فهم لا ينتفعون -أيضا- بالآيات النّاطقة من القرآن الكريم. فإذا قرأه الرّسول وقد يستمعون إليه يغيظهم ذلك ويستفزّهم. إذ يقول الإمام القرطبيّ في تفسيره: "نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن، وهم: أبو جهل وأبو سفيان والنّضر بن الحارث وأم جميل امرأة أبي لهب وحويطب. فحجب الله سبحانه رسوله عن أبصارهم عند قراءة القرآن وكانوا يمرّون به ولا يرونه".(1)
قلت: وصف الله الحجاب بأنه مستور بينما هو ساتر لغيره، وذلك لقصد المبالغة في السّتر. واستعير لصرف الأعداء عن رسول الله ومنعهم من الإضرار به، كما يصرفهم عن استماع القرآن وتدبّر معانيه. يقول الإمام ابن عاشور في هذا المعنى: "وجعل الله الحجاب المذكور إيجاد ذلك الصّارف في نفوسهم بحيث يهمّون ولا يفعلون، وذلك من خور الإرادة والعزيمة بحيث يخطر الخاطر في نفوسهم ثم لا يصمّمون، وتخطر معاني القرآن في أسماعهم ثم لا يفهمون".(2)
(1) 1 - القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 5/ 398.
(2) 2 - محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتّنوير: 15/ 116.