سورة الإسراء
الجزء ١٠ · صفحة ٧٢قلت: لعل هذه الظّاهرة من حجب رسول الله عن أعدائه هي مقدمة وإرهاص لما يستقبله من أحداث في حادث الهجرة عند خروجه من داره، وعند استخفائه في الغار، وعند لحاق سراقة بن مالك به في الطّريق، فهي كما قال الإمام البوصيري:
رعاية الله أغنت عن مضاعفة … من الدّروع وعن عال من الأطم
والذي جعلهم على تلك الحالة هو عدم إيمانهم بالآخرة، فشهوة الدّنيا هي التي أعمت بصائرهم وتلك هي علة العلل في إعراضهم عن الرّسول.
ثم بيّن الله السّبب في استغلاقهم عن تدبّر القرآن فقال: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمُ أَكِنَّةً اَنْ يَّفْقَهُوهُ وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْءَأنِ وَحْدَهُ’ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً).
وجعل الأكنّة على القلوب والوقر في الآذان هو الحجاب المعنويّ المضروب عليهم، فلا يتدبّرون القرآن ولا ينفذ نور هديه إلى بصائرهم، لأن الله تعالى وكلهم إلى نفوسهم وما اختاروا لها من الكفر والضّلال، ولم يكن ذلك الجعل ابتداء من الله، بل هو من عند أنفسهم، وقد قالوا عنها ما حكى القرآن عنهم: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِي ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلِ اِنَّنَا عَامِلُونَ) (فصلت:5). فليست هناك جبرية ولا إكراه، فالله يقضي بما يختاره العبد لنفسه على قدر نيته وما بادر به، وقد قال تعالى في شأن الهدى والضّلال:
أ) - {وَالذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَءَاتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (محمد:17).
ب) - {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً) (البقرة:10).