سورة الإسراء
الجزء ١٠ · صفحة ٧٣وقوله تعالى: {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ’ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً)، فهم -إذن- يستمعون إلى بعض القرآن فيعرضون عما فيه الخير لهم، ممّا يركّز على وحدانية الله وإبطال إلهية معبوداتهم، لأن ذلك يعرّض مصالحهم للخطر، ويزيل سطوة نفوذهم في أتباعهم فيولّون مدبرين، وهم بذلك يمارون على أنفسهم ويغالبون ما يستكنّ في فطرتهم من الإقرار بوجود الله.
{نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً): فإذا كان ذلك هو حال الكفار وموقفهم من الرّسول والقرآن، فما هو سبب تسلّلهم -أحيانا- لاستماع قراءة رسول الله؟. جاءت هذه الآية الكريمة إجابة على ذلك، إذ يروى أن كبار قريش كانوا يتخفون عن بعضهم بعض متسللين في جنح اللّيل بعد أن ينام أتباعهم ممن كانوا يقولون لهم: {لاَ تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ) (فصلت:26)، فهم وإن عاندوا وكابروا ينجذبون إلى بيان القرآن. وقد قال الوليد بن المغيرة -وقد مات كافرا- قال: "والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه".
وضمير الجلالة "نَحْنُ" في أول الآية هو للاهتمام بمضمون الجملة، واختيار اسم التّفضيل هو للدلالة على سعة علم الله إذ يعلم السّرّ وأخفى، فهو يعلم أحوالهم. ودوافعهم لذلك الاستماع:
أ) - أولاها: أنهم يستمعون إليك بإعجاب ليتلقفوا ما يخبر به القرآن مما ينكرونه من توحيد الله ومن البعث بعد الموت ليتخذوا من ذلك مادة للهزء والسّخرية مثل قول بعضهم لبعض: {اَجَعَلَ الاَلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً اِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) (صّ:5). وقوله: {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمُ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ اِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) (سبأ:7).