نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الإسراء

الجزء ١٠ · صفحة ٨٩

الجملة معطوفة على سابقتها: {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ)، وهي تردّ على المشركين في ما يبررون به تكذبيهم للرسول بأن ما طالبوه به من الآيات الخارقة لم يأت بها، فبيّن الله أن ذلك كان رحمة بهم، إذ أنه لو جاءتهم آية فكذّبوا بها كما فعل الأولون لأصابهم من عذاب الاستئصال ما أصاب من قبلهم. وضرب الله بذلك مثلا بناقة ثمود، وكانت آية بيّنة فكفروا بها فاستحقوا العذاب. وقد أخرج البيهقي عن الرّبيع بن أنس قال: قال النّاس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو جئتنا بآية كما جاء بها صالح والنبيون فقال الرّسول: «إن شئتم دعوت الله فأنزلها عليكم، فإن عصيتم هلكتم. فقالوا: لا نريدها».(1)

ثم بيّن الله حكمة عدم إرسال الآيات إلى قريش فقال: {وَمَا نُرْسِلُ بِالاَيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً)، إذن، لم يمتنع الله عن إرسال الآيات إلى المكذبين من قريش عن عجز أو ضعف، وإنما كان ذلك لإكرام أمة الرّسول، إذ سبق في علم الله بأن الكثير من أولئك الكفار ستعييهم الحيل في معارضة الدّعوة الإسلامية فيدخلون في دين الله أفواجا وينتصر الإسلام على يد الكثير منهم.

والله تعالى لا يرسل الآيات إلا تخويفا للناس لعلهم يرجعون، وقد جاءت الآيات السّابقة معجزة لكل نبي على حسب ما يتناسب مع حالة قومه، فجاءت معجزة رسول الله في الفصاحة والبلاغة والبيان، فتحدى قومه بذلك كما تحدّى الخلق كله إلى يوم القيامة.

ثم طمأن الله رسوله بأن عصمه من النّاس حتى يمضي في إبلاغ رسالته بعزيمة وثبات فقال: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ)، والمعنى: اذكر يا محمد قدرة الله في إحاطته الشّاملة بالنّاس، فلن يبلغوا أن يضرّوك بشيء، فسيردّ كيدهم في نحورهم، وفي اختيار كلمة "الرّبّ" مضافة إلى ضمير المخاطب تشريف ودلالة على الرّعاية الإلهية لرسوله، وفي ذلك تسلية وتطمين له.

(1) 1 - رواه البيهقي في شعب الإيمان، رقم 576.

٢٬٩٣٨ / ٦٬٧٦٧