نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الإسراء

الجزء ١٠ · صفحة ١٠٨

لقد سبق وأن حذّر الله من فتنة الشّيطان ومكائده، ثم عقّب على ذلك ببيان فضله على بني آدم بتكريمهم وتفضيلهم على كثير ممن خلق، ثم صنف الخلائق في موقف الحشر إلى فريق السّعداء وفريق الأشقياء. وتمشيا مع واقع المشركين مع رسول الله فقد ذكر وجها آخر من أوجه ضلالهم وعماهم في الدّنيا. وذلك بمحاولاتهم المتكرّرة أن يقول الرّسول في آلهتهم ما يرضيهم، أو أن يستلم آلهتهم كما كان يستلم الحجر، أو كما اشترط عليه وفد ثقيف شروطا لإيمانهم به بأن يُغيّر كثيرا من أحكام الدّين كشرط تركهم للرّكوع والسّجود في الصّلاة إلى غير ذلك مما ذكره الرّواة في السّيرة النّبوية. وخلاصة ذلك يدلّ عليه لفظ: {لَيَفْتِنُونَكَ)، والفتون هو معاملة يلحق بها ضرّ واضطراب النّفس للغير. ومعلوم أن رسول الله كان شديد الحرص على إيمان قومه، وقصته مع ابن أمّ مكتوم وصدوده عنه عندما أقبل إليه أشراف قومه لا يخفى فيها العتاب الإلهي اللّطيف لرسوله. وحاشا لرسول الله أن يجيب المشركين لما يطلبون، ولذلك اختيرت في هذا الإخبار الإلهي ألفاظ تدل كلّها على أن الرّكون إلى ما يرغب فيه المشركون لم يحدث إذ قال تعالى: {وَلَوْلآَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً).

فـ"لولا" حرف امتناع لوجود، أي امتناع جوابه لوجود شرطه، فقد امتنع ركون رسول الله إلى مساومة المشركين بفضل تثبيت الله إياه، بمعنى أن الرّسول لم يغيّر من موقفه في إبلاغ ما أوحى الله بصدق وأمانة.

وقوله: {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً)، و"كاد" تدلّ على المقاربة وهي غير الفعل. فهي محاولات من بعيد. والرّكون: بمعنى الميل الخفيف وأكده بقوله: {شَيْئاً قَلِيلاً)، فالنكرة تفيد التقليل. ويفيد ذلك أن الرّسول لم يهمّ بإجابتهم لما يريدون ولم يقرب من ذلك أبدا فما هو الجزاء لو حصل منك ذلك -أيها الرّسول- فرضا؟.

٢٬٩٥٧ / ٦٬٧٦٧